كتبت : حنان المطوع .
هناك شعور لا يشبه سواه، شعور يأتي متأخراً دائماً، حين تصبح الطرق فارغة من أصحابها، وحين تتحول الوجوه التي كانت تملأ القلب حياة إلى ذكريات باهتة تمر كظل عابر لا يمسك ولا يستعاد. هو ليس حزناً عادياً، بل ذلك الثقل الذي يسكن الصدر عندما ندرك أن الفرص التي مضت لم تكن مجرد لحظات عابرة، بل كانت أبواباً لو طرقناها في وقتها لتغير كل شيء.

يا طارق الباب رفقاً… كم تحمل هذه العبارة من رجاء متأخر، من نداء يخرج من أعماق روح أدركت الحقيقة بعد أن هدأت الضوضاء، وبعد أن رحل الصخب وبقي الصمت وحده شاهداً. كأن الإنسان يقف أمام بابٍ لم يعد خلفه أحد، يطرقه لا ليفتح، بل ليخفف عن نفسه وطأة الندم، كأنه يعتذر للفراغ، ويحادث الغياب.
نتفرق في دروب الأرض ونحن نظن أن اللقاءات مؤجلة، وأن القلوب ستبقى في أماكنها تنتظرنا كما تركناها، نظن أن الود لا يذبل، وأن الأحباب لا يرحلون إلا بإذن منا، لكن الحقيقة أقسى من ذلك بكثير، فالحياة لا تنتظر أحداً، والقلوب إن أهملت ذبلت، وإن تركت طويلاً تعلمت كيف تعيش دوننا، وربما كيف تنسانا أيضاً.
كم مرة تأخرنا في قول كلمة بسيطة كانت كفيلة بأن تنقذ علاقة، أو ترمم قلباً، أو تعيد دفءً كاد أن ينطفئ، وكم مرة صمتنا حين كان الكلام واجباً، وتكلمنا حين صار الصمت أرحم، نحن لا نخسر الناس فجأة، بل نخسرهم على مهل، في كل مرة نؤجل فيها الاهتمام، في كل مرة نختار العناد بدل اللين، في كل مرة نغلق باباً صغيراً في وجوههم دون أن نشعر.
أرحم يديك فما في الدار من أحد… ليست مجرد صورة حزينة، بل حقيقة قاسية، لحظة يقف فيها الإنسان أمام نفسه عارياً من الأعذار، يرى بوضوح أنه لم يخسر الآخرين فقط، بل خسر فرصته في أن يكون أكثر رحمة، أكثر قرباً، أكثر إنسانية، يدرك أن الندم لا يعيد الراحلين، ولا يحيي ما مات، بل يتركنا نعيش مع سؤالٍ ثقيل لا يهدأ: ماذا لو؟
ولترحم الدار… لا توقف مواجعها للدور روح، كأن الأماكن نفسها تتألم، كأن الجدران تحفظ أصوات الضحكات التي سكنت فيها يوماً، ثم اختفت، كأنها تشهد علينا أننا كنا هنا معاً، ثم لم نعد، وكأنها تسألنا بصمتٍ موجع: لماذا لم تتمسكوا أكثر؟
هنا ندرك، لا شيء يوجع كإدراك متأخر، ولا شيء أقسى من قلبٍ تعلم بعد فوات الأوان أن اللين كان أجمل، وأن البقاء كان ممكناً، وأن الطرق على الأبواب في وقتها كان سيفتح، أما الآن… فكل الطرقات مجرد صدى، وكل النداءات تعود إلينا خالية، تحمل معناها الوحيد: لقد تأخرنا كثيراً






