كتبت : حنان المطوع .
الوحدة شعور بسيط في تعريفه، عميق في أثره؛ قد يمر على أي إنسان دون استئذان، حتى وهو محاط بالوجوه والأصوات والضحكات. ليست مرتبطة بعدد من حولنا، بل بمدى قربهم الحقيقي منا، بقدرتهم على لمس ما في داخلنا، لا ما يظهر على السطح فقط.
نعيش بين الناس، نتحدث، نبتسم، نشاركهم تفاصيل يومنا، لكن في زاوية خفية من الروح يبقى شيء صامت… شيء لا يجد من يصغي إليه كما ينبغي. كأننا نؤدي أدوارنا بإتقان، بينما يظل داخلنا ينتظر لحظة صدق، أو شخصًا يرى ما لا نقوله. فهل المشكلة في قلة من حولنا، أم في ندرة من يفهمنا حقًا؟

الوحدة لا تأتي دائمًا من الفراغ، بل أحيانًا من الامتلاء الخاطئ؛ من علاقات لا تشبهنا، من أحاديث لا تلامسنا، من قربٍ شكلي لا يصل إلى العمق. قد تأتي من تغيرات الحياة حين تسرق منا أشخاصًا اعتدنا حضورهم، أو من خيبات صغيرة تتراكم حتى تجعلنا أقل رغبة في الانفتاح، وأكثر ميلًا للانغلاق الهادئ.
والغريب أن الإنسان قد يعتاد وحدته، لا لأنها مريحة، بل لأنها أوضح من الزيف، وأكثر أمانًا من علاقات غير صادقة. لكنه في لحظة ما، يشتاق… ليس لأي أحد، بل لذلك الشخص الذي يشعره أنه مفهوم دون شرح، مقبول دون تبرير، قريب دون جهد.
التعامل مع الوحدة لا يكون بالهروب منها، بل بفهمها. أن نصغي لأنفسنا أولًا، أن نختار من يقترب منا بعناية، وأن نمنح قلوبنا فرصة لتجربة علاقات أصدق، لا أكثر عددًا. أن نملأ أيامنا بما يشبهنا، بما يعيد إلينا شعور الحياة، لا مجرد مرورها.
في النهاية، ربما ليست الوحدة أن تكون وحدك… بل أن تكون مع من لا يراك. وربما الحل ليس في البحث عن الآخرين فقط، بل في أن نجد ذلك التوازن بين قربٍ صادق من الناس، وهدوءٍ صادق مع أنفسنا؛ حيث لا نشعر أننا غرباء… لا في قلوبهم، ولا في داخلنا.






