كتبت : حنان المطوع

من كان يتخيل أن اختفاء بضع دجاجات قد يقود إلى اكتشاف مدينة كاملة دفنتها الأرض وأخفت أسرارها قروناً طويلة؟ تبدو الحكاية وكأنها خرجت من رواية خيالية، لكنها ارتبطت بواحد من أعجب الاكتشافات الأثرية في تركيا، حيث تختبئ مدينة «ديرينكويو» تحت أرض كابادوكيا، بعيداً عن أعين البشر وضجيج الحياة.
تقول الحكاية الشعبية إن رجلاً لاحظ اختفاء دجاجاته بطريقة غامضة، فبدأ يبحث عن المكان الذي تتسلل إليه، ليكتشف ممراً يقوده إلى عالم لم يكن يتخيل وجوده. أما الرواية التاريخية الأشهر فتشير إلى أن الاكتشاف حدث عام 1963، عندما كان أحد السكان يرمم منزله، فعثر خلف جدار على ممر غريب، قاده إلى شبكة هائلة من الأنفاق والغرف المحفورة في الصخور. وهكذا بدأت تتكشف مدينة ظلت مختبئة تحت الأرض، وكأن الزمن أغلق أبوابها ونسي أن يعود إليها.
ولم تكن مجرد كهوف أو ممرات للهروب، بل مدينة متكاملة تمتد إلى عمق يقارب 85 متراً، ويقدر أنها تضم 18 مستوى، وكانت قادرة، وفق بعض التقديرات، على استيعاب نحو عشرين ألف إنسان. فيها غرف للنوم، ومطابخ، ومخازن للطعام، وآبار للمياه، وأماكن للعبادة، وحتى إسطبلات للحيوانات. والأعجب أن سكانها ابتكروا فتحات للتهوية تسمح بوصول الهواء إلى الأعماق، وأبواباً حجرية ضخمة تغلق من الداخل لحمايتهم من الأعداء.
تخيلوا حياة كاملة تجري تحت أقدام الناس! أطفالاً يولدون، وأمهات يخبزن، ورجالاً يحرسون الممرات، بينما تستمر الحياة فوق الأرض دون أن يدرك أحد ما يجري في الأسفل. لم تكن المدينة مجرد بناء عجيب، بل شاهداً على خوف الإنسان وقدرته المدهشة على تحويل الخوف إلى وسيلة للبقاء.
ولا يزال التاريخ الدقيق لبداياتها موضع بحث، فقد تعاقبت عليها حضارات وأجيال، واستخدمت ملجأً في أزمنة الحروب والاضطرابات. لكن السؤال الذي يثير دهشتي ليس فقط كيف استطاع الإنسان حفر هذه المدينة بإمكاناته القديمة، بل كيف استطاع أن يخفي عالماً كاملاً عن أعين الآخرين؟
والأغرب أن الأرض التي نمشي فوقها بثقة قد تحمل تحتها حكايات لم ترو بعد، ومدناً لم تكتشف، وأسراراً تنتظر مصادفة صغيرة لتخرج إلى النور.
فمن يدري؟ ربما كانت أعظم الاكتشافات لا تحتاج إلى علماء يبحثون عنها، بل إلى دجاجة ضلت طريقها، فدلت الإنسان على طريق نسيه التاريخ!






