جامع الأقمر.

كتبت : حنان المطوع.

شارع المعز نفسه ليس شارعاً عادياً، بل متحف مفتوح يمتد عبر قرون من التاريخ الإسلامي. ووجود جامع الأقمر فيه جعله كالجوهرة الصغيرة وسط عقد طويل من الآثار. شارع المعز
جامع الأقمر ليس مجرد مسجد قديم في شارع المعز، بل قطعة من زمن الدولة الفاطمية ما زالت تتنفس وسط القاهرة القديمة.

بني سنة 1125م تقريباً في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، على يد الوزير المأمون البطائحي، ويعد من أذكى المساجد المعمارية في ذلك العصر وأكثرها فرادة.

أول ما يلفت النظر فيه هو واجهته الحجرية البيضاء المائلة قليلًا مع خط شارع المعز، بينما اتجاه الصلاة مختلف. هنا تظهر عبقرية المعماري الفاطمي؛ فقد أراد أن يحافظ على انسجام المسجد مع الشارع دون أن يفسد اتجاه القبلة. لهذا يبدو الجامع وكأنه يحاور المدينة بدل أن ينعزل عنها.

وسمي “الأقمر” لأن واجهته كانت تلمع تحت ضوء القمر بسبب لون حجارتها الفاتح. وهناك من يرى أن الاسم يحمل أيضاً بعداً رمزياً مرتبطاً بالنور والهداية عند الفاطميين.

الواجهة نفسها تعتبر ثورة معمارية في زمانها. فهي من أوائل الواجهات في العمارة الإسلامية التي امتلأت بالنقوش والزخارف البارزة بهذا الشكل. سترون دوائر هندسية وآيات قرآنية وخطوطاً كوفية متشابكة، وحتى ما يشبه “الشمس المشعة” حول المدخل. وكل تفصيلة فيها تحمل رسالة سياسية ودينية وفنية في آنٍ واحد.

ومن الأشياء التي تجعل الوقوف أمامه ممتعاً أن الجامع صغير نسبياً مقارنة بمساجد القاهرة الضخمة، لكنه شديد العمق في تفاصيله. كأنه يقول إن العظمة ليست بالحجم دائماً. عندما تدخلون إلى صحنه ستشعرون أن ضجيج شارع المعز اختفى فجأة، وكأن المكان يحتفظ بصمت عمره تسعمئة سنة.

ويقال إن الجامع كان شاهداً على مرور سلاطين، واحتلالات، وحرائق، ومواكب، وأسواق، وعصور كاملة تبدلت… بينما بقي هو واقفاً في قلب القاهرة القديمة مثل شيخ هادئ يرى الزمن ولا يتكلم.

وهكذا ينتهي لقاؤنا اليوم مع جامع الأقمر، ذلك المسجد الذي لم يكن مجرد حجارة صامتة، بل حكاية ما زالت تنبض بين جدران شارع المعز. ترك لنا الفاطميون هنا أثراً يشبه الهمس القادم من قرون بعيدة، يذكرنا أن المدن القديمة لا تموت ما دام هناك من يتأملها بعين القلب قبل العين.

وفي الجمعة القادمة سنكمل رحلتنا بين أسرار شارع المعز لنقف أمام معلم آخر يحمل قصة جديدة، وزمناً مختلفاً، وحكايات لم تحك بعد… فالقاهرة القديمة لا تكشف أسرارها كلها دفعة واحدة.

  • Related Posts

    ليس كل ما نفقده يبكينا طويلاً

    كتبت : حنان المطوع في أحد الأيام، سمعت حواراً بسيطاً بين أم وابنها، لم يكن فيه شيء استثنائي في ظاهره، لكنه بقي عالقاً في ذهني كأنه ولد ليقال في اللحظة…

    Read more

    Continue reading
    ليس السر في الجينات… بل في العادات اليومية

    كتبت : حنان المطوع كثيراً ما نتساءل: لماذا يتصدر اليابانيون قائمة الشعوب الأطول عمراً، بينما ترتفع معدلات السمنة والأمراض المزمنة في كثير من المجتمعات التي تعتمد على الوجبات السريعة؟ قد…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    ليس كل ما نفقده يبكينا طويلاً

    ليس كل ما نفقده يبكينا طويلاً

    ليس كل انتصار يقاس بعدد الأهداف

    ليس كل انتصار يقاس بعدد الأهداف

    ليس السر في الجينات… بل في العادات اليومية

    ليس السر في الجينات… بل في العادات اليومية

    القصور الأثرية… حكايات من زمنٍ مجيد

    القصور الأثرية… حكايات من زمنٍ مجيد

    ابن زهر… الطبيب الذي جعل التجربة طريقاً إلى الحقيقة

    ابن زهر… الطبيب الذي جعل التجربة طريقاً إلى الحقيقة

    معادلة الحياة الذكية

    معادلة الحياة الذكية