كتبت : حنان المطوع

تشبه الحياة كتاباً كبيراً تتقلب صفحاته يوماً بعد يوم، وكل صفحة تحمل حكاية جديدة، وكل فصل يخبئ بين سطوره درساً أو ذكرى أو حلماً ينتظر أن يكتمل. وما أجمل أن ندرك أن أعمارنا ليست سوى كلمات نكتبها بأفعالنا، وأن ما نتركه خلفنا هو الأثر الذي يبقى بعد أن تطوى الصفحات.
في بداية الكتاب تكون الصفحات بيضاء ناصعة، مليئة بالاحتمالات، كما يولد الإنسان بقلب نقي وعينين تنظران إلى العالم بدهشة وبراءة.
ثم تبدأ الكلمات بالتشكل، فنكتب أولى تجاربنا، ونرسم أولى أحلامنا، ونخط أول سطور الفرح والحزن.
وفي كل مرحلة من مراحل الحياة نكتشف أن بعض الصفحات لا تكتب كما نريد تماماً. فهناك صفحات يملؤها النجاح، وأخرى تزدحم بالتحديات، وصفحات نرغب لو أننا استطعنا تمزيقها أو إعادة كتابتها.
لكن جمال الكتاب لا يكمن في صفحاته السعيدة وحدها، بل في تنوع أحداثه وما تمنحه لنا من خبرة ونضج وفهم أعمق للحياة.أما الأشخاص الذين نلتقيهم فهم أشبه بالشخصيات التي تعبر فصول الكتاب. بعضهم يرافقنا حتى الصفحة الأخيرة، وبعضهم يظهر لفصلٍ قصير ثم يغادر، لكنه يترك وراءه أثراً لا ينسى. وهناك من يضيف إلى حياتنا فصلاً من الفرح، ومن يعلمنا معنى الصبر، ومن يترك في القلب ذكرى جميلة تبقى حاضرة كلما عدنا لقراءة الماضي.
وللحب مكانة خاصة في هذا الكتاب؛ فهو ليس مجرد فصل عابر، بل قد يكون العنوان الأجمل في بعض صفحاته. فالحب الصادق يمنح الكلمات دفئاً، ويجعل الأيام أكثر إشراقاً، ويحول اللحظات البسيطة إلى ذكريات تستحق أن تحفظ بين أجمل السطور.ومع مرور الزمن نتعلم أن الحكمة ليست في عدد الصفحات التي كتبناها، بل في قيمة المعاني التي حملتها.
فكم من كتاب قصير بقي خالداً في الذاكرة، وكم من صفحات كثيرة لم تترك أثراً.
وكذلك هي الحياة؛ قيمتها ليست بطولها، بل بما نزرعه فيها من خير ومحبة وعطاء.وفي نهاية المطاف، سيصل كل واحد منا إلى الصفحة الأخيرة من كتابه. وحينها لن يكون المهم كم صفحة قرأنا أو كتبنا، بل كيف عشنا تلك الصفحات، وكم قلباً أسعدنا، وكم أثراً جميلاً تركناه خلفنا.
فالحياة مثل الكتاب، وكل يوم صفحة جديدة، فاحرص أن تكتبها بما يجعلك فخوراً عندما تعود يوم لقراءة قصة عمرك.





