كتبت : حنان المطوع

هناك بيوت ندخلها فنشعر أننا ضيوف، حتى وإن جلسنا في صدر المجلس. وبيوت أخرى، بالكاد نعبر عتبتها، لكنها تستقبل أرواحنا كأنها كانت تنتظرنا منذ سنوات. ليست كل البيوت جدراناً وسقوفاً وأبواباً تفتح بالمفاتيح، بعض البيوت تفتح بكلمة، بابتسامة، بنظرة تشبه الطمأنينة حين تعود متعباً من العالم.
البيوت التي لا تشبهنا ترهق القلب بصمت. نجلس فيها كثيراً لكننا لا نرتاح، نضحك فيها أحياناً لكن الضحكة تبدو كأنها مستعارة، وننام داخلها بينما أرواحنا تبقى واقفة عند الباب، خائفة من الدخول الكامل. تلك البيوت لا تفهم عادات أرواحنا، لا تحفظ صوتنا الحقيقي، ولا تعرف كيف نحب الصمت حين نحزن. كل شيء فيها مرتب، إلا شعورنا.
أصعب شعور قد يمر على الإنسان، أن يعيش في مكان لا يشبهه، مع أشخاص لا يسمعون صوته الداخلي مهما تكلم. كأنك تحاول طوال الوقت أن تقنع الجدران بأنك تنتمي إليها، بينما هي باردة، صامتة، لا تحفظ أثرك بعد رحيلك. ومع الأيام يبدأ الإنسان بالتغير، ليس لأنه أراد، بل لأنه تعب من شرح نفسه. فيختصر ضحكته، ويخفف أحلامه، ويتعلم كيف يعيش بنصف قلب حتى لا ينكسر بالكامل.
لكن المأساة الحقيقية ليست في البيوت التي لا تشبهنا… بل في بقائنا داخلها رغم إدراكنا لذلك. نبقى لأننا نخاف الوحدة، أو لأننا تعودنا على الألم حتى صار جزءاً من الروتين اليومي. أحياناً نخشى الرحيل ليس حباً بالمكان، بل خوفاً من ألا نجد بيتاً آخر يحتمل هشاشتنا.
ثم يحدث شيء صغير يغير كل شيء. ربما شخص عابر، أو حديث متأخر في ليلة طويلة، أو نظرة جعلتنا نشعر للمرة الأولى أننا مفهومون دون شرح. فجأة ندرك أن البيوت الحقيقية ليست الأماكن التي نسكنها، بل الأماكن التي تسكننا. الشخص الذي يمنحك الأمان وسط فوضاك، الذي لا يطلب منك أن تكون نسخة معدلة من نفسك، الذي يرى شروخك ولا يخاف منها… ذلك هو البيت.
الحب أيضاً بيت. لكنه ليس ذلك الحب الصاخب الممتلئ بالكلمات الكبيرة، بل الحب الذي يجعلك تنام وقلبك هادئ. الحب الذي لا يجبرك على التمثيل، ولا يجعلك تخشى أن تظهر ضعفك. هناك أشخاص حين نقترب منهم نشعر أن أعمار التعب كلها كانت مجرد طريق طويل للوصول إليهم.
وفي النهاية، لا أحد يبحث عن بيت أفخم أو أجمل، نحن فقط نبحث عن مكان لا نشعر فيه بالغربة. مكان نستطيع فيه أن نخلع عن أرواحنا تعب التظاهر، ونكون كما نحن تماماً… دون خوف، دون شرح، ودون أن نعتذر عن حقيقتنا.






