هل يمكن لصوت القرآن أن يصبح جزءاً من رحلة العلاج؟

كتبت : حنان المطوع

منذ أن عرف الإنسان الطب، وهو يبحث عن دواء يخفف الألم، وعن جراح ماهر ينقذ الجسد، وعن علاج يعيد للمريض عافيته. لكن مع مرور الزمن، اكتشف الأطباء حقيقة لا تقل أهمية عن الدواء نفسه، وهي أن المريض لا يتألم بجسده وحده، بل تتألم معه نفسه، ويشاركه القلق والخوف والترقب.

ولهذا لم تعد المستشفيات الحديثة تهتم بالأجهزة والأدوية فقط، بل أصبحت تمنح الراحة النفسية مساحة لا تقل أهمية عن العلاج الجسدي، إدراكاً منها أن الطمأنينة قد تكون أول خطوة في طريق التعافي.

ومن هنا جاءت تجربة لافتة عرضت في فيلم وثائقي، داخل مستشفى سيرفيسز بمدينة لاهور في باكستان. لم يكن الهدف منها استبدال الدواء أو الجراحة، بل البحث عن وسيلة تمنح المريض شعوراً بالهدوء والسكينة خلال أكثر لحظات حياته حساسية.

اختار الفريق الطبي تلاوة سورة الرحمن بصوت القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد لترافق المرضى قبل العمليات وبعدها، باعتبارها وسيلة داعمة لتخفيف القلق وتهيئة المريض نفسياً. ووفقاً لما عرضه الفيلم الوثائقي، لم تقتصر التجربة على المرضى المسلمين، بل شملت أيضاً أشخاصاً من ديانات مختلفة، في محاولة لاكتشاف ما إذا كان لهذا الصوت الهادئ أثر في منح المريض شعوراً بالطمأنينة، بعيداً عن اختلاف المعتقدات.

ولم يكن الهدف إثبات أن القرآن بديل للعلاج، بل كان الهدف أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه: هل يمكن للراحة النفسية أن تساعد الإنسان على مواجهة المرض بصورة أفضل؟

هذا السؤال يشغل الطب الحديث منذ سنوات. فالدراسات تؤكد أن القلق والتوتر قبل العمليات الجراحية وبعدها يرفعان مستوى هرمونات التوتر في الجسم، وقد يؤثران في شعور المريض بالألم وفي جودة النوم وسرعة استعادة النشاط. ولهذا أصبحت المستشفيات تهتم بكل ما يمنح المريض شعوراً بالأمان، سواء من خلال الموسيقى الهادئة، أو الدعم النفسي، أو التأمل، أو أي وسيلة تساعد على تهدئة العقل.

أما بالنسبة للمريض المسلم، فإن القرآن يحمل بعداً يتجاوز مجرد الصوت الجميل. فهو كلام يؤمن بأنه رحمة وطمأنينة، ولذلك فإن الاستماع إليه قد يبعث في النفس شعوراً بالسكينة والأمل والثقة، وهي مشاعر يحتاجها كل إنسان وهو يواجه المرض.

ولعل اختيار سورة الرحمن لم يكن مصادفة. فهي سورة تمتلئ بمعاني الرحمة والامتنان بنعم الله، ويتكرر فيها قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، في إيقاع يلامس القلب قبل الأذن، ويمنح المستمع لحظات من التأمل والهدوء.

أما اختيار صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، فلأنه واحد من أكثر الأصوات القرآنية تأثيراً وانتشاراً في العالم الإسلامي. وقد ارتبط صوته في وجدان ملايين المسلمين بالخشوع والسكينة، حتى أصبح كثيرون يجدون في تلاوته راحة يصعب وصفها بالكلمات.

ومع ذلك، فإن الإنصاف العلمي يقتضي أن نفرق بين الإيمان والتجربة العلمية. فما أثبتته الأبحاث حتى اليوم هو أن تلاوة القرآن قد تسهم في تخفيف القلق وتحسين الحالة النفسية لدى كثير من المرضى، أما اعتبارها علاجاً طبياً قائماً بذاته، فما زال يحتاج إلى المزيد من الدراسات والأدلة. وهذا لا ينتقص من قيمتها الروحية، بل يضعها في مكانها الصحيح بوصفها عنصراً داعماً إلى جانب العلاج الطبي، لا بديلًا عنه.

وربما تكمن روعة هذه التجربة في أنها أعادت التذكير بحقيقة بسيطة، وهي أن الإنسان ليس جسداً فقط. فكما يحتاج إلى الدواء، يحتاج أيضاً إلى كلمة تطمئنه، وإلى صوت يهدئ خوفه، وإلى أمل يمنحه القوة ليكمل رحلة العلاج.

ولعل أجمل ما تقدمه لنا مثل هذه التجارب، أنها تفتح باباً جديداً للحوار بين الطب والروح، دون أن يتنازل أحدهما عن مكانه. فالطب يعالج الجسد بما وهبه الله للإنسان من علم، والإيمان يمد القلب بالقوة والسكينة. وعندما يلتقي الاثنان، قد تصبح رحلة التعافي أكثر إنسانية، وأكثر رحمة.

ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان الدواء يخفف ألم الجسد، فمن يداوي خوف القلب؟

ربما كانت الإجابة تكمن في أن الشفاء الحقيقي لا يبدأ من الجسد وحده… بل من الإنسان كله.

  • Related Posts

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading
    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    كتب : محمود هاشم في دبي – 3 أكتوبر 2026، أقام مركز أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم، برعاية مكتب الشيخة ميرة بنت عبد الحكيم آل مكتوم، فعالية رسمية بعنوان «حفل…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك