بين الكسر والشفاء… كانت عبقرية الزهراوي

كتبت : حنان المطوع

في المقالات السابقة، رافقنا رحلة العالم الجليل أبي القاسم الزهراوي، وتعرفنا إلى جانب من عبقريته التي تجاوزت حدود زمانه. رأينا كيف ابتكر الخيوط الجراحية القابلة للذوبان، وهي فكرة ما زال الطب الحديث يعتمد عليها بعد أن طور موادها وتقنياتها، وكيف صمم أدوات جراحية غيرت مفهوم العمليات، حتى أصبحت أساساً لما نراه اليوم في غرف الجراحة الحديثة. كما وقفنا أمام طريقته الدقيقة في السيطرة على النزيف باستخدام الكي، حين حول وسيلةً كانت تستخدم بعشوائية إلى تقنية طبية قائمة على العلم والخبرة.

ومع كل إنجاز كنا نكتشف أن الزهراوي لم يكن يبحث عن الشهرة، بل عن وسيلة تخفف ألم الإنسان وتحفظ حياته. وكلما ظننا أننا وصلنا إلى أعظم ما قدمه، تكشف لنا سيرته عن ابتكار جديد يضاف إلى رصيد هذا العالم الذي سبق عصره بقرون.

واليوم، نقف أمام صفحة أخرى من صفحات إبداعه، صفحة أعادت إلى آلاف المرضى نعمة الحركة بعد أن كادت تضيع منهم. إنها قصة التجبير وتثبيت الكسور، حين أثبت الزهراوي أن القوة ليست دائماً في الشد والعنف، بل في الدقة، وأن اليد التي تعرف كيف تعيد العظم إلى موضعه الصحيح، قادرة على أن تعيد للإنسان حياته من جديد.

حين يعاد للجسد توازنه… وتصبح القوة أداةً للشفاء

هناك لحظات في الحياة لا تنسى، لحظات ينكسر فيها عظم، فيختل معها توازن الجسد كله، وتتحول أبسط الحركات إلى معاناة. كانت الكسور في العصور القديمة من أكثر الإصابات خطورة، إذ لم يكن الخطأ في علاجها يعني الألم فقط، بل قد يترك الإنسان بإعاقة ترافقه بقية عمره.

لكن أبا القاسم الزهراوي لم ينظر إلى العظم المكسور على أنه قطعة تحتاج إلى التثبيت فحسب، بل رأى إنساناً ينتظر أن يستعيد حياته. لذلك درس طبيعة العظام، وفهم طريقة التئامها، وابتكر أساليب علمية لتجبير الكسور وتثبيتها، بحيث تعود العظام إلى مواضعها الصحيحة، وتلتئم بأقل قدر ممكن من التشوه أو المضاعفات.

ولم يكن التجبير عنده مجرد لفٍ للجبائر حول الطرف المصاب، بل كان علماً يقوم على الدقة في إعادة العظم إلى مكانه، ثم تثبيته بالطريقة التي تمنح الجسد فرصة ليقوم بعمله الطبيعي في الشفاء. كما صمم أدوات تساعد الجراح على تثبيت الكسور والتعامل معها بصورة أكثر أماناً ودقة، وهو ما جعل علاجه متقدماً على عصره بقرون.

وبفضل هذه الرؤية، تغير مفهوم علاج الكسور. فلم يعد المريض ينتظر ما ستفعله الأيام بعظامه، بل أصبح للطبيب دور حقيقي في توجيه عملية الشفاء، وتقليل الألم، واستعادة الحركة في أقصر وقت ممكن.

واليوم، ورغم التطور الهائل في جراحات العظام، واستخدام الصفائح المعدنية والبراغي والمثبتات الداخلية والخارجية والجبائر الحديثة، فإن المبدأ الذي تقوم عليه جميع هذه التقنيات هو ذاته الذي رسخه الزهراوي منذ أكثر من ألف عام: إعادة العظم إلى وضعه الطبيعي، وتثبيته حتى يمنح الجسد الفرصة ليصلح نفسه بنفسه.

وهكذا، لم يكن التجبير في فكر أبي القاسم الزهراوي مجرد علاج لكسر، بل كان إعادةً للتوازن، وإيماناً بأن العلم حين يقترن بالرحمة يستطيع أن يعيد للإنسان حركته، وكرامته، وأمله في الحياة

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد