المعركة الصامتة داخل الإنسان

كتبت : حنان المطوع

من الغريب أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن عدوٍ خارجي يعلق عليه أخطاء العالم بينما أكثر المعارك ضجيجاً تدور بصمت داخله نحن نخاف من الأشخاص المؤذين ومن الخيانة ومن القسوة ومن الظلم لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل من أين ولد كل هذا أصلاً كيف يتحول إنسان عادي إلى شخص يحسد أو يكره أو يطمع أو يؤذي ولماذا يستطيع العقل نفسه الذي يكتب الشعر ويصنع الجمال أن يحمل في لحظة أخرى رغبة في الانتقام أو التدمير.

ربما لأن الإنسان ليس كائناً بسيطاً كما يبدو بل عالم كامل يتحرك في جسد واحد داخله رغبات متناقضة وأصوات لا تهدأ جزء يريد السلام وجزء يريد الانتصار بأي ثمن جزء يفرح لنجاح الآخرين وجزء يتألم بصمت عندما يراهم يتقدمون عليه وكأن النفس البشرية لا تعيش في حالة استقرار دائم بل في مفاوضات مستمرة بين ما نريده وما نخجل من الاعتراف به.

ولهذا فإن الشر لا يدخل إلى الإنسان دائماً من الباب أحياناً يكون موجوداً منذ البداية على هيئة بذرة صغيرة من الغرور أو الغيرة أو الشعور بالنقص ثم تكبر بصمت كلما تجاهلها صاحبها الإنسان لا يستيقظ فجأة ليصبح ظالماً بل يصل إلى ذلك عبر آلاف الأفكار الصغيرة التي أقنع نفسه بها حتى بدت له طبيعية وهنا تكمن خطورة النفس حين تتحول من شيء يشعر إلى شيء يبرر ثم إلى شيء يعتاد.

الأكثر إثارة أن كثيراً من الناس يظنون أن الشر يحتاج دائماً إلى محرض بينما الواقع يقول إن النفس حين تترك بلا وعي تصبح قادرة على إغواء صاحبها بنفسها الإنسان قد يخدع الآخرين مرة لكنه قبل ذلك يكون قد خدع نفسه مئات المرات أقنعها أن القسوة قوة وأن الحسد مجرد حق طبيعي وأن الطمع طموح وأن السيطرة ذكاء ومع الوقت تختفي الحدود بين ما هو حقيقي وما هو مبرر.

ومع ذلك فداخل هذا الصراع نفسه يكمن أجمل ما في الإنسان لأن الكائن الذي يستطيع أن يكره يستطيع أيضاً أن يحب والذي يملك قدرة الظلم يملك قدرة الرحمة والذي يشعر بالغيرة قادر على تجاوزها والنضج بعدها لهذا لا تبدو عظمة الإنسان في كونه نقياً تماماً بل في قدرته على مواجهة الجزء المظلم فيه دون أن يسمح له بالسيطرة الكاملة.

ربما لهذا السبب تبدو المعارك الداخلية أرهق من أي حرب أخرى لأنك لا تواجه خصماً بعيداً بل تواجه نفسك بكل تناقضاتها وكل ما تحاول الهرب منه وكل الأفكار التي لا يراك أحد وأنت تخفيها خلف ابتسامتك ولهذا أيضاً فإن أكثر الناس هدوءاً ليسوا أولئك الذين لم يعرفوا الفوضى بل الذين تعلموا كيف يمنعون الفوضى التي بداخلهم من ابتلاعهم بالكامل.

  • Related Posts

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    كتبت : حنان المطوع بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة…

    Read more

    Continue reading
    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    كتب : مصطفى محمد اتحاد الكرة يعلن مواجهات دور الـ32.. وصدامات مرتقبة في الطريق إلى النهائي أسفرت قرعة دور الـ32 من بطولة كأس مصر لكرة القدم للموسم الرياضي 2026-2027، التي…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل