الدنيا التي نظن أننا نملكها

كتبت : حنان المطوع

نحن لا نعيش حياتنا فقط… نحن نحاول طوال الوقت أن نمتلكها.

نحاول أن نمتلك الأيام الجميلة، والأشخاص الذين نحبهم، والصحة، والمال، والمكان، والنجاح، وحتى اللحظات التي نتمنى لو توقفت عندها عقارب الساعة.

نفرح عندما تأتي الأشياء كما نريد، ونشعر بالاطمئنان حين تستقر حياتنا على الصورة التي رسمناها في خيالنا، فنقول في داخلنا: لقد وصلت، وأصبحت الأمور كما أحب.

لكن الحياة لا تمنحنا وعدا بأن يبقى شيء على حاله.

فما نملكه اليوم قد لا يكون في أيدينا غدا، ومن نراه قريبا منا قد تأخذه الأيام إلى مكان بعيد، والصحة التي لم نفكر يوما في فقدانها قد تجعلنا نعرف قيمتها حين تتغير، والمال الذي جمعناه بعناء قد يذهب في لحظة، وحتى الفرح الذي ظنناه طويلا يأتيه يوم ويرحل.

وهنا نتعلم، غالبا بعد وقت طويل، أن الإنسان لا يملك الأشياء كما يتصور، وإنما يعيش معها فترة من الزمن.

نحن لا نملك العمر، بل نمر فيه.

ولا نملك الأشخاص، بل نلتقي بهم ونحبهم ونصنع معهم أجمل الذكريات، ثم تكتب الحياة لكل واحد منا طريقه.

ولا نملك الأيام، بل نستيقظ كل صباح على يوم جديد لا نعرف ماذا يحمل لنا.

وربما لهذا السبب نتعب كثيرا حين نحاول أن نمسك بالحياة بكلتا يدينا. نخاف أن نفقد ما أحببناه، ونقلق على ما نملكه، ونظل نفكر في الغد قبل أن يأتي، حتى ننسى أن أجمل ما في الحياة أنها لا تثبت على حال.

فلو بقي كل شيء كما نريد، لما عرفنا معنى الفرح بعد الحزن، ولا قيمة الصحة بعد التعب، ولا جمال اللقاء بعد الغياب، ولا نعمة الأشياء الصغيرة التي كنا نمر بها دون أن نلتفت إليها.

الحياة تشبه شيئا يمر بين أصابعنا. كلما ظننا أننا أحكمنا قبضتنا عليه، وجدناه يتسلل من بين أيدينا.

والمشكلة ليست في أن نعيش الدنيا، ولا في أن نفرح بما فيها، ولا في أن نعمل وننجح ونبني ونحب.

المشكلة تبدأ حين نصدق أن ما في أيدينا سيبقى لنا إلى الأبد.

حين يصبح المال أكبر من القلب، والمكان أهم من الإنسان، والنجاح هو المقياس الوحيد لقيمة الحياة، والخوف من الفقد أكبر من القدرة على الاستمتاع بما لدينا.

عندها تتحول النعمة إلى عبء، لأننا لم نعد نعيشها… أصبحنا نخاف عليها.

وقد يكون أجمل ما نتعلمه مع مرور العمر أن الأشياء لا تحتاج إلى أن تبقى إلى الأبد حتى تكون جميلة.

يكفي أنها مرت بنا ذات يوم ومنحتنا فرحا.

يكفي أن إنسانا دخل حياتنا وترك فيها أثرا جميلا.

يكفي أن صباحا عاديا منحنا لحظة سلام لم نعرف وقتها أنها ستكون من الذكريات التي نشتاق إليها.

فليست قيمة الأشياء في بقائها، وإنما في الأثر الذي تتركه في أرواحنا.

وحين نفهم ذلك، نبدأ في النظر إلى الدنيا بطريقة مختلفة.

نأخذ منها ما تمنحنا، ونشكر عليها، ونفرح بها، لكننا لا نسكن إليها كأنها دارنا الأخيرة.

نحب، ولكن لا نتعلق بما يفنى.

نجمع، ولكن لا نجعل ما جمعناه يملك قلوبنا.

ننجح، ولكن لا نظن أن النجاح هو نهاية الطريق.

ونفرح، لكننا نعرف أن الفرح مثل الحزن… كلاهما عابر.

وكلما تأملت هذا المعنى شعرت أن القرآن سبقنا إلى صورة بالغة الدقة في وصف هذه الحياة.

ماء ينزل من السماء، فتخضر الأرض، ويزدهر النبات، ويبدو المشهد جميلا وكأنه سيبقى طويلا.

ثم تتغير الصورة.

يذبل النبات، ويجف، ويتحول إلى هشيم، ثم تأتي الرياح فتأخذه بعيدا.

هكذا هي الدنيا.

تزهر أمام أعيننا حتى نظن أنها ستبقى، ثم تعلمنا الأيام أنها كانت رحلة قصيرة، وأن أجمل ما نستطيع أن نفعله ليس أن نحاول امتلاكها، بل أن نحسن عبورها.

أن نترك فيها أثرا طيبا.

أن نحب من حولنا قبل أن تفرقنا الطرق.

أن نعطي قبل أن تنتهي الفرصة.

أن نعيش اللحظة بامتنان، لا بخوف.

وأن نعرف أن ما يذهب من أيدينا ليس بالضرورة ضياعا، فبعض الأشياء ترحل لتترك لنا حكمة، وبعض الأشخاص يبتعدون ليتركوا في القلب أثرا لا يزول، وبعض الأيام تنتهي لكنها تظل تعيش في الذاكرة.

وفي النهاية، ربما لم نكن نملك الدنيا يوما كما كنا نظن.

كنا فقط نعيش فصولا منها.

نأخذ دورنا في الحكاية، نفرح ونحزن، نلتقي ونفترق، نبني ونترك، ثم نمضي.

ولعل أجمل ما في الأمر أن الإنسان حين يعرف أن الدنيا عابرة، لا يصبح أقل حبا للحياة، بل يصبح أكثر تقديرا لها.

يصبح أكثر رحمة، وأكثر امتنانا، وأقل تعلقا بما يفنى.

وعندها نفهم لماذا جاء ذلك المثل القرآني بهذه الصورة البديعة، وكأن الآية كانت تنتظر في نهاية الطريق لتقول لنا ما عجزت الحياة عن قوله بكلمات كثيرة:

﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾

صدق الله العظيم.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد