أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

كتبت : حنان المطوع

في أعماق الغابات الاستوائية، حيث تتشابك أغصان الأشجار وتختبئ بين أوراقها أسرار لا يعرفها الإنسان، تعيش حكاية عجيبة بطلها طائر لا يشبه غيره، ليس فقط بمنقاره الضخم الذي تعلوه خوذة ذهبية، ولا بجناحيه اللذين يشقان الهواء بصوت يكاد يشبه هبوب الريح، بل بطريقة اختارته بها الطبيعة ليكون واحداً من أغرب الآباء وأكثرها تفانياً في عالم الطيور. إنه طائر أبو قرن الكبير، ذلك المخلوق الذي جعل من جذع شجرة بيتاً، ومن فتحة صغيرة نافذة للحياة، ومن التعاون بين الذكر والأنثى درساً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.

يعيش هذا الطائر في غابات الهند ونيبال وبوتان وأجزاء من جنوب شرق آسيا، ويعد من أكبر طيور أبي قرن، إذ قد يصل طوله إلى نحو متر وثلاثين سنتيمتراً. وما إن تقع عليه العين حتى يلفت الانتباه بمنقاره الأصفر الهائل الذي تعلوه بنية تشبه القرن، وكأن الطبيعة أرادت أن تمنحه تاجاً يميزه عن سائر الطيور. غير أن جماله الحقيقي لا يكمن في مظهره، بل في ذلك السر العجيب الذي يبدأ مع موسم التكاثر، حين تتحول حياة الزوجين إلى حكاية من الصبر والثقة والمسؤولية.

عندما يحين موعد وضع البيض، لا تبني الأنثى عشاً عادياً فوق الأغصان كما تفعل معظم الطيور، بل تبحث مع شريكها عن تجويف آمن في جذع شجرة كبيرة، وكأنها تختار غرفة صغيرة بعيدة عن أعين المتطفلين. تدخل إلى ذلك التجويف، ثم تبدأ عملية غريبة يصعب تصديقها للوهلة الأولى؛ إذ تساعد على إغلاق المدخل بمزيج من الطين وبقايا الطعام والفضلات، حتى لا يبقى منه سوى شق ضيق يكفي لمرور الطعام. وهكذا تجد نفسها خلف جدار صنعته بمحض غريزتها، لا هرباً من الحياة، بل حماية لحياة جديدة تستعد للقدوم.

وفي الخارج تبدأ مسؤولية الذكر، الذي يصبح المعيل الوحيد لأسرته خلال تلك المرحلة. يطير بين الأشجار بحثاً عن الثمار، وخاصة التين الذي يشكل جزءاً مهماً من غذائه، ثم يعود إلى الشجرة ليقدم الطعام عبر الفتحة الصغيرة. تتكرر رحلاته يوماً بعد يوم، بينما تقبع الأنثى في الداخل تحضن بيضها، ثم ترعى صغارها بعد الفقس. وقد تستمر هذه المرحلة أسابيع طويلة، يصبح فيها ذلك الشق الضيق طريقاً للطعام والنجاة، ورابطاً بين عالمين؛ عالم آمن في الداخل، وعالم واسع مليء بالمخاطر في الخارج.

والأغرب أن الأنثى تمر خلال إقامتها في العش بمرحلة تبديل ريش الطيران، فتفقد بعض قدرتها على التحليق مؤقتاً، بينما يواصل الذكر مهمته دون أن يستطيع الدخول إليها. إنها صورة مدهشة للتكامل بين دورين مختلفين، لا يتفوق أحدهما على الآخر، بل يحتاج كل منهما إلى الآخر حتى تكتمل دورة الحياة. وحين تكبر الفراخ قليلاً، قد تخرج الأم من التجويف، ثم يعيد الصغار إغلاق المدخل، تاركين فتحة صغيرة يواصل الأبوان من خلالها إطعامهم حتى يحين موعد خروجهم إلى العالم.

ولعل ما يزيد هذه الحكاية جمالاً أن طائر أبو قرن الكبير يعرف بروابطه الزوجية القوية، وقد يستمر الزوجان معاً عبر مواسم تكاثر متعددة. لكن الطبيعة، على جمالها، لا تقدم وعوداً مطلقة؛ فليست كل الروابط أبدية، ولا تخلو حياة هذه الطيور من الفقد والمخاطر. ومع ذلك يبقى التعاون بين الشريكين واحداً من أروع مشاهد الحياة البرية، حيث لا تقاس المسؤولية بالكلمات، وإنما بما يبذله كل طرف من جهد لحماية الصغار واستمرار الحياة.

غير أن لهذه الحكاية وجهاً آخر أقل بهجة. فذلك الطائر الذي يحتاج إلى الأشجار العتيقة ليؤسس أسرته، أصبح اليوم من الأنواع المعرضة لخطر الانقراض، بسبب تقلص الغابات وقطع الأشجار والصيد. وقد تبدو شجرة قديمة في نظر الإنسان مجرد خشب يمكن الاستفادة منه، لكنها بالنسبة إلى هذا الطائر بيت تنتظره أسرة، وملاذ تختبئ فيه حياة لم تبدأ بعد. وحين تسقط تلك الشجرة، قد لا يسقط معها عش فحسب، بل تضيع فرصة جيل جديد من الطيور في أن يرى النور.

تأملت هذه الحكاية طويلاً، ووجدت أن الطبيعة لا تحتاج إلى لغة البشر حتى تحدثنا عن معاني المسؤولية. فالأنثى التي تبقى داخل جذع الشجرة لا تفعل ذلك لأنها تعرف معنى التضحية كما نفهمه نحن، والذكر الذي يقطع المسافات بحثاً عن الطعام لا يفعل ذلك لأنه قرأ يوماً عن الوفاء، وإنما لأن غريزة الحياة نسجت بينهما علاقة دقيقة تحفظ استمرار النوع. ومع ذلك، يحق لنا نحن البشر أن نتأمل هذه المشاهد ونستخلص منها ما يضيء شيئاً في نفوسنا.

فكم من بيوت واسعة تفتقر إلى الطمأنينة، وكم من نوافذ مفتوحة لا يدخل منها الاهتمام، بينما استطاع طائران أن يجعلا من شق صغير في جذع شجرة طريقاً لاستمرار الحياة. وربما كان أجمل ما في حكاية أبي قرن الكبير أنها تذكرنا بأن قيمة البيت ليست في اتساع جدرانه، وإنما في الأمان الذي يمنحه لمن يعيشون فيه، وأن العطاء لا يحتاج دائماً إلى من يراه أو يصفق له.

وهكذا، حين نرفع رؤوسنا نحو الأشجار العالية، قد لا نرى سوى أوراق تتمايل وأغصان تتشابك، لكن خلف أحد تلك الجذوع ربما توجد أم تحتضن صغارها، وأب يعود من رحلة طويلة حاملاً ثمرة في منقاره، ونافذة صغيرة تختصر حكاية أسرة كاملة.

وما أجمل أن نتعلم من الطبيعة أن بعض النوافذ، مهما ضاقت، تتسع للحياة كلها، وأن أعظم البيوت ليست تلك التي نفتح أبوابها على العالم، بل تلك التي نحفظ داخلها الأمان، حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه الأجنحة الصغيرة قادرة على الطيران.

  • Related Posts

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    كتبت : حنان المطوع بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة…

    Read more

    Continue reading
    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    كتب : مصطفى محمد اتحاد الكرة يعلن مواجهات دور الـ32.. وصدامات مرتقبة في الطريق إلى النهائي أسفرت قرعة دور الـ32 من بطولة كأس مصر لكرة القدم للموسم الرياضي 2026-2027، التي…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل