كتبت : حنان المطوع

الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في قلبه أماكن تبدو وكأنها أبواب فتحت إلى عالم آخر. من بين هذه الأماكن ما يعرف بـ«الثقوب الزرقاء»؛ حفر بحرية شديدة العمق، تظهر من الأعلى كبقع داكنة وسط المياه الفيروزية، وكأن البحر غير لونه فجأة في دائرة واحدة. وما يبدو للناظر مجرد اختلاف جميل في درجات الأزرق، يخفي تحته تكويناً جيولوجياً عمره آلاف السنين.ومن أشهر هذه الأماكن «الثقب الأزرق» في دهب على ساحل البحر الأحمر في مصر. يقع قريباً من الشاطئ، لكنه يهبط إلى عمق يقارب مئة متر، وتحوطه الشعاب المرجانية والأسماك الملونة، في مشهد يجمع بصورة غريبة بين الجمال والرهبة.لكن كيف ولدت هذه الثقوب؟تعود الحكاية إلى عصور كان فيها مستوى البحر أقل مما هو عليه اليوم. تشكلت في الصخور الجيرية كهوف وتجويفات بفعل المياه عبر فترات طويلة، ثم ارتفع مستوى البحار مع تغير المناخ وذوبان الجليد، فغمرت المياه تلك التكوينات القديمة. وفي بعض المواقع انهارت أجزاء من أسقف الكهوف، وبقيت فتحات عميقة أصبحت اليوم ما نسميه بالثقوب الزرقاء.ولعل أكثر ما يثير الفضول في ثقب دهب وجود ممر عميق تحت الماء يعرف بين الغواصين باسم «القوس»، يصل التجويف بالبحر المفتوح. منظر ساحر، لكنه يقع في عمق كبير، ولذلك لا يكون الاقتراب منه مغامرة عادية، بل يحتاج إلى تدريب وخبرة وتجهيز مناسب.والثقب الأزرق ليس مكاناً واحداً. ففي بليز بأمريكا الوسطى يوجد «الثقب الأزرق العظيم»، دائرة بحرية هائلة يزيد عرضها على ثلاثمئة متر، وتبدو من السماء كعين زرقاء داكنة وسط مياه أكثر صفاءً.ربما لهذا تجذبنا الثقوب الزرقاء؛ لأنها تذكرنا بأننا، رغم كل ما عرفناه عن كوكبنا، ما زلنا نعيش فوق عالم يخفي الكثير من أسراره. فالبحر الذي نراه هادئاً من الشاطئ ليس مجرد ماء يمتد حتى الأفق. أحياناً، تحت تلك الزرقة التي نطمئن إليها، توجد كهوف وفتحات وممرات صنعتها الأرض قبل آلاف السنين.وربما أجمل ما يقوله لنا الثقب الأزرق هو أن الطبيعة لا تكشف أسرارها كلها لمن يكتفي بالنظر إلى سطحها.






