كتبت : حنان المطوع

في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك الحي العريق الذي نعرفه اليوم. وفي وسط هذه المساحة جاء رجل بلجيكي اسمه البارون إدوارد إمبان، لم ينظر إلى الصحراء كما رآها الآخرون، بل تخيل فوق رمالها مدينة كاملة.
كان إمبان رجل أعمال ومهندساً ارتبط اسمه بمشروعات السكك الحديدية والنقل، وعندما جاء إلى مصر انجذب إليها وقرر الاستثمار فيها. شارك في تأسيس شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، وبدأ مشروعًا طموحاً لإنشاء ضاحية هليوبوليس، أو مصر الجديدة، لتصبح مدينة حديثة لها شوارعها ومبانيها ووسائل مواصلاتها وفنادقها ومرافقها. وبينما كانت المدينة الجديدة تتشكل، أراد البارون أن يبني لنفسه منزلًا لا يشبه أي منزل آخر في القاهرة.
بدأ تشييد القصر عام 1907 تقريباً، واكتمل بعد عدة سنوات، وصممه المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل. وجاء المبنى مختلفاً إلى درجة جعلت من يمر أمامه يتوقف لينظر إليه. أبراج وتماثيل وزخارف مستوحاة من العمارة الهندية والآسيوية، وشرفات وأعمدة وتفاصيل تبدو وكأنها انتقلت من مكان بعيد واستقرت فجأة في قلب الصحراء المصرية. ولم يكن القصر ضخماً مقارنة بالقصور الملكية، لكن غرابة تصميمه جعلته واحداً من أكثر مباني القاهرة تميزاً.
مرت السنوات وتغير كل شيء حوله. الصحراء التي كانت تحيط بالقصر اختفت تدريجياً، وكبرت مصر الجديدة وامتلأت شوارعها بالمنازل والمتاجر والسيارات والناس، بينما بقي القصر واقفاً يشاهد المدينة التي ولدت حوله. وبعد وفاة البارون وتغير ملاك القصر، دخل المبنى في سنوات طويلة من الإهمال، وتضررت أجزاء من زخارفه ومكوناته، وتحول شيئاً فشيئاً من بيت كان يعج بالحياة إلى مبنى غامض مغلق الأبواب.
وفي عام 2007 انتقل القصر إلى الدولة، لتبدأ مرحلة مختلفة من حياته. وبعد سنوات من الدراسات والتجهيز، انطلق مشروع ترميم شامل عام 2017 تحت إشراف وزارة الآثار وبمشاركة الجهات الهندسية المختصة. لم تكن المهمة مجرد إعادة طلاء الجدران، بل محاولة إنقاذ التفاصيل التي صنعت شخصية القصر منذ أكثر من قرن؛ فتم تدعيم الأسقف، وترميم الواجهات والزخارف والتماثيل والأعمدة والأبواب والنوافذ، وإعادة تأهيل الحديقة والمنطقة المحيطة به.
وفي يونيو 2020 فتح القصر من جديد بعد انتهاء أعمال الترميم، لكن هذه المرة لم يعد بيتاً لرجل واحد، بل أصبح مكاناً يستطيع الناس دخوله والتعرف من خلاله إلى تاريخ مصر الجديدة ونشأتها. وأصبحت بعض قاعاته تحكي بالصور والخرائط والوثائق القديمة قصة المنطقة التي بدأت يوماً فكرة في عقل رجل نظر إلى أرض صحراوية وتخيل فوقها مدينة.
وربما لهذا لا تكمن قيمة قصر البارون في زخارفه الغريبة وحدها، ولا في التماثيل التي تزين واجهاته، بل في المشهد الذي شهده طوال أكثر من قرن. حين بني، كان يقف في الصحراء منتظراً مدينة لم تولد بعد، واليوم يقف في قلب واحدة من أكثر مناطق القاهرة ازدحاماً، وكأنه الشاهد الذي بقي في مكانه بينما تغير كل شيء حوله.
إن مررت يوماً أمام قصر البارون، فلا تنظر إليه باعتباره قصراً قديماً فقط. انظر حوله إلى مصر الجديدة كلها، وتخيل للحظة أن هذه الشوارع والعمارات والميادين لم تكن موجودة، وأن خلف أسوار ذلك القصر وقف رجل قبل أكثر من مئة عام ينظر إلى الرمال ويرى شيئاً لم يكن يراه أحد بعد… مدينة كاملة.





