الكتابة باليد… إعادة هندسة الدماغ

كتبت :حنان المطوع

كنت أقلب بين صفحات الإنترنت كعادتي، أمر على موضوع وأترك آخر، حتى توقفت أمام عبارة شدتني:
«الكتابة باليد… إعادة هندسة للدماغ».
توقفت عندها قليلًا. إعادة هندسة الدماغ؟ بدت العبارة كبيرة على شيء بسيط مثل القلم، لكنها أعادتني فجأة سنوات طويلة إلى الوراء… إلى أيام المدرسة الابتدائية، حين كان القلم جزءاً من يومنا، والدفتر أمامنا، والمعلمة تطلب منا أن نكتب الدرس، ثم نعيد كتابته مرة أخرى للمراجعة. كنا أحياناً نتذمر. لماذا نكتب الجملة نفسها أكثر من مرة؟ ولماذا نعيد الكلمات التي قرأناها أصلًا. لكن الغريب أنني وأنا أقرأ ذلك الموضوع اليوم، اكتشفت أن بعض ما كتبته بيدي في تلك السنوات ما زال عالقاً في ذاكرتي.

أتذكر دروساً، وجملًا، وحتى أحياناً شكل الصفحة ومكان بعض الكلمات فيها. فقلت لنفسي: معقول أن تلك الطريقة القديمة التي كنا نظن أنها مجرد واجب مدرسي كانت تفعل في عقولنا أكثر مما كنا نعرف؟

وبدأت أقرأ.

وهنا أصبحت الحكاية أجمل. فالكتابة باليد ليست مجرد أن يمسك الإنسان قلماً ويرسم حروفاً على ورقة. عندما نكتب، تعمل اليد والعين والعقل معاً. نفكر في الكلمة، نستدعيها من الذاكرة، نحرك أصابعنا لرسمها، نراها أمامنا، ثم ننتقل إلى التي بعدها. وكأن الكلمة لا تمر مروراً سريعاً على العقل، بل تأخذ طريقاً أطول قليلًا قبل أن تستقر على الورق. ربما لهذا كنا نكتب الدرس مرتين وثلاثاً ثم نجده أقرب إلى ذاكرتنا.

واليوم تغير كل شيء.

لم نعد نكتب كثيراً. نضغط. نكتب رسالة بسرعة، نرسلها، ثم ننتقل إلى غيرها. نقرأ عشرات الأخبار والمنشورات، ونشاهد مئات الكلمات كل يوم، لكن كم منها يبقى معنا؟ أحياناً أقرأ معلومة تعجبني جداً، وبعد ساعات أحاول أن أتذكرها فلا أجد إلا طرفاً منها. وأحياناً نبحث عن كلمة نعرف أننا نعرفها، لكنها تقف في مكان ما داخل الرأس وترفض أن تأتي!

فهل أصبحت ذاكرتنا أضعف؟

ليس بهذه البساطة. لكن ربما أصبحت حياتنا أسرع من أن نعطي المعلومة الوقت الكافي لتجلس معنا. الهاتف يريد منا أن ننتقل. أصبعنا نصعد إلى أعلى الشاشة باستمرار. خبر… صورة… رسالة… فيديو… ثم خبر آخر.

أما الورقة فلا تستعجلنا.

والقلم أيضاً لا يعرف السرعة التي تعرفها أصابعنا على الهاتف. حين نكتب بيدنا نضطر إلى أن نبطئ قليلًا، وهذا البطء الذي كنا نعتبره عيباً قد يكون جزءاً من الفائدة. نفكر في الكلمة قبل أن نكتبها. نخطئ فنشطب. نعود فنصحح. نتوقف لحظة لأننا نسينا كلمة. ثم نستدعيها ونكمل. وفي كل هذه الحركات الصغيرة يكون العقل حاضراً. وهنا فهمت لماذا استخدم صاحب الموضوع عبارة «إعادة هندسة الدماغ».

هي بالطبع ليست إعادة هندسة بالمعنى الحرفي، وكأن القلم سيعيد بناء الدماغ من جديد، لكنها صورة جميلة لما يحدث عندما نجبر عقولنا على المشاركة بدل الاكتفاء بالمشاهدة والضغط. والأجمل أنني بدأت أفكر في شيء آخر. نحن لم نخطئ عندما أحببنا التكنولوجيا. فهي اختصرت علينا الوقت، وفتحت أمامنا أبواباً لم تكن موجودة، وجعلتنا نكتب ونقرأ ونتواصل أينما كنا. لكن ربما أخطأنا قليلًا عندما اعتقدنا أن كل شيء قديم لم يعد له مكان.

لا أحد يطلب منا أن نترك الهاتف ونعود إلى الدفاتر المدرسية. لكن ماذا لو أبقينا للقلم مكاناً صغيراً في يومنا؟ أن نكتب فكرة أعجبتنا. أن نسجل موعداً. أن ندون شيئاً نريد ألا ننساه. أن نكتب خاطرة بدل أن نحفظها في الهاتف. أو حتى أن نكتب قائمة الأشياء التي نريد القيام بها غداً. أشياء بسيطة، لكنها تجعل اليد تعمل والعين تتابع والعقل يشارك.

بعد أن انتهيت من قراءة الموضوع، ابتسمت. تذكرت تلك الطفلة التي كانت تجلس أمام دفترها وتعيد الدرس أكثر من مرة، وربما كانت تتساءل في سرها: لماذا كل هذه الكتابة؟

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، عرفت جزءاً من الإجابة. كنا نظن أننا نكتب على الورق فقط…. لكن يبدو أن بعض ما كنا نكتبه على الورق، كان يكتب في ذاكرتنا أيضاً. لقد اخترعنا لوحة المفاتيح لنكتب أسرع، ثم جاء الهاتف لنكتب أينما كنا، واليوم أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على أن يساعدنا في صياغة صفحات كاملة.

ومع كل هذا التطور، ما زال هناك شيء لا تمنحنا إياه الشاشة بالطريقة نفسها: أن تمسك قلماً، وتترك فكرة تبدأ في عقلك، تمر عبر يدك، ثم تستقر أمامك على ورقة. ربما لم يكن القلم أداة للكتابة فقط كما كنا نظن. ربما كان، طوال هذه السنوات، تمريناً صغيراً للعقل نحمله بين أصابعنا… دون أن نعرف

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد