كتبت : حنان المطوع

جلست أستمع إلى محاضرة عن المرأة ومكانتها في الحكم، وعن نظرة الفلاسفة إليها، من أرسطو إلى ابن رشد. كان الحديث جاداً، مليئاً بالأفكار والأسئلة، حتى قال المحاضر جملة خفيفة جعلتني أبتسم:
لو كان ابن رشد يعيش بيننا اليوم، لفرح كثيراً بما وصلت إليه المرأة.
ضحكت، لكن الجملة لم تمر من أمامي كدعابة عابرة.
أخذتها معي إلى البيت.
وفكرت: ماذا لو عاد ابن رشد فعلًا؟
ماذا لو خرج من زمنه البعيد، ومشى بيننا يوماً واحداً فقط؟
سيرى امرأة ترتدي ثوب القضاء وتصدر حكماً، وأخرى تقف في قاعة المحكمة محامية، وثالثة ترتدي الزي العسكري، ورابعة تجلس خلف مقود طائرة تحمل مئات الركاب وتعبر بهم القارات.
سيراها طبيبة ومهندسة وأستاذة جامعة، تقود السيارة وتدير الشركات والمؤسسات، وتشارك في صناعة القرار.
ترى، ماذا كان سيقول؟
ربما لم يكن أكثر ما سيفاجئه ما وصلت إليه المرأة، بل كم احتاج العالم من القرون حتى يختبر شيئاً كان هو قد ناقشه منذ زمن بعيد: أن قدرات الإنسان لا يمكن معرفتها إذا لم نمنحه فرصة لإظهارها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من المرأة وحدها.
كم إنساناً حكمنا على قدراته قبل أن نتيح له الفرصة؟
وكم موهبة بقيت خلف باب مغلق، ثم قلنا بكل ثقة إنها لا تستطيع الخروج؟
التاريخ أحياناً لا يغير البشر بقدر ما يغير الأبواب التي نسمح لهم بفتحها.
ولهذا ربما لو عاد ابن رشد اليوم، لن يحتاج إلى أن يقول الكثير.
سيكفيه أن ينظر إلى امرأة تقود طائرة ترتفع به إلى السماء، ثم يبتسم.
فبعض الأفكار تحتاج إلى قرون كاملة… حتى يأتي الواقع ويكمل الجملة.






