كتبت : حنان المطوع

كنت أظن أن أغرب ما في الكنغر هو ذلك الجراب الذي تحمل فيه الأم صغيرها.
نراه يطل برأسه الصغير، ثم يختبئ، فنبتسم للمشهد ونمضي. لكنني حين قرأت أكثر عن حياة أنثى الكنغر اكتشفت أن الجراب ليس أغرب ما في الحكاية.
الأغرب يحدث في مكان لا نراه.
في رحم الأم.
فهناك، وفي بعض أنواع الكنغر، يستطيع جنين صغير جداً أن يتوقف عن النمو مؤقتاً، وكأن جسده ضغط زر الانتظار وقال: ليس الآن.
هذه الظاهرة تسمى السبات الجنيني أو التوقف الجنيني المؤقت.
والحكاية تبدأ بطريقة مدهشة.
مدة الحمل عند كثير من أنواع الكنغر قصيرة، نحو شهر تقريباً، وبعدها يولد صغير لا يشبه ذلك الكنغر الذي نعرفه في الصور. يكون بالغ الصغر، غير مكتمل النمو، أعمى تقريباً وبلا شعر، ومع ذلك يبدأ رحلة ربما تكون أول امتحان في حياته.
يتسلق بجسده الصغير من قناة الولادة حتى يصل إلى جراب أمه، وهناك يتعلق بإحدى الحلمات ويبدأ مرحلة طويلة من النمو والحماية.
كنت أعتقد أن الأم بعد ذلك تنتهي مهمتها مع الحمل وتتفرغ لهذا الصغير.
لكن الطبيعة كان لها ترتيب آخر.
فقد تتزاوج الأنثى مرة أخرى، ويتكون جنين جديد، لكنه لا يواصل نموه دائماً. إذا كان هناك صغير ما زال يحتاج إلى الجراب والرعاية، يمكن أن يتوقف تطور الجنين الجديد في مرحلة مبكرة جداً.
لا يموت.
ولا يستمر في النمو.
بل ينتظر.
وحين يكبر الصغير الموجود في الجراب وتصبح الظروف مناسبة، يستأنف الجنين نموه من جديد، وكأن ساعة صغيرة كانت متوقفة ثم بدأت عقاربها تتحرك مرة أخرى.
والأعجب أن الأم قد تجد نفسها ترعى أكثر من مرحلة من الحياة في الوقت نفسه: صغيراً خارج الجراب ما زال يعود إليها للرضاعة، وآخر داخل الجراب يكمل نموه، وجنيناً صغيراً ينتظر دوره في الرحم.
حتى الحليب يدخل في هذه الحكاية المدهشة؛ فجسم الأم يستطيع أن يوفر حليباً بتركيبة تناسب احتياجات الصغار في مراحل نمو مختلفة.
وهنا توقفت طويلًا.
كيف يعرف جسد الأم أن هذا الصغير يحتاج إلى هذا النوع من الغذاء، وأن الآخر يحتاج إلى شيء مختلف؟
وكيف يعرف الجنين أن الوقت لم يحن بعد؟
نحن ننظر إلى الكنغر فنرى حيواناً يقفز، وجراباً يطل منه رأس صغير.
لكن خلف هذا المشهد البسيط نظام كامل من التوقيت والرعاية والتكيف.
ربما لهذا أحب أن أقرأ عن الطبيعة.
لأنها كلما جعلتنا نظن أننا فهمناها، فتحت أمامنا باباً جديداً وقالت:
ما زال هناك الكثير مما لم تروه بعد.






