حين يتحول الحُب إلى غيرة، والصداقة إلى امتلاك.

بقلم : حنان المطوع .

حين يتحول الحُب إلى غيرة، والصداقة إلى امتلاك.

هناك لحظات تصدمنا فيها الحقيقة، أحياناً تمشي مع أحدهم الطريق كاملاً، تشاركه الأسرار والضحكات، وتمنحه ثقة لا تمنحها لأحد، تظنه صديق عمرك الذي لا يخذلك، الذي يخاف عليك أكثر مما تخاف على نفسك. لكن مع الوقت، وبهدوء لا يرى من أول نظرة، يبدأ هذا الصديق في التغير. ليس التغير الصريح الذي يعلن، بل التحول الصامت الذي يخفي نواياه خلف ابتسامة أو نصيحة تبدو في ظاهرها محبة، وفي باطنها شيء من الغيرة، شيء من التملك، وشيء من الألم الخفي الذي لا تعلم له سبباً.

تبدأ تلاحظ أن فرحتك لا تفرحه، وإنجازاتك لا تهمه إلا عندما تكون جزءاً منها. تنجح، فيقول لك مبروك، لكن عيونه لا تشارك لسانه، وربما يتبع التهنئة بتقليل أو ملاحظة سلبية صغيرة كأنها عابرة. تتعرف على أصدقاء جدد، فيبدأ يشعر بالتهديد، لا لأنه يخاف أن تخسره، بل لأنه لا يريد أن تكون لأحد غيره. تخرج من دائرة سيطرته، فيبدأ بالتشكيك في كل من حولك، بل وربما يشكك فيك أنت شخصياً. يريدك أن تبقى معه، له، لا لأحد سواه، كأنك ملك خاص، لا صديق له حياة مستقلة.

وقد تظن في لحظة أنك تتوهم، أو أنك تبالغ في تفسير المواقف، لكنك تعود وتتذكر كيف كان يفرحك، كيف كان يخاف عليك بصدق، فتغفر، وتبرر. لكن المشكلة ليست في لحظة واحدة، بل في التكرار، في التراكم، في السلوكيات التي لا تتغير، بل تزداد كلما شعرت أنه يفقد سلطته عليك. فحين يشعر أنك أصبحت حراً، مستقلًا، مكتفياً بنفسك، يبدأ يظهر وجهاً آخر، وجهاً لا يحب لك الخير إن لم يكن هو شريك هذا الخير، ولا يريد لك فرحاً إن لم يكن هو مصدره.

وقد يكون الأسوأ من ذلك أنه يحبك فعلًا، لكنه يحبك بطريقة مؤذية. يحبك أن تكون له فقط. يحبك لكن لا يريدك أن تتقدم عليه. يحبك لكن نجاحك يهدده، وسعادتك تقلقه، وصداقاتك الأخرى تشعل في قلبه ناراً لا يستطيع إطفاءها إلا بإيذائك. فتجده في لحظة يدافع عنك كأنه جدارك الأخير، ثم في اللحظة التالية يطعنك بكلمة أو موقف يهزك من الداخل. تتساءل: هل هو عدوي أم صديقي؟ هل يكرهني أم يحبني؟ والحقيقة المرة هي أنه الاثنين معاً.

في داخله حب صادق لكنه مشوه، حب ضعيف يختنق من الغيرة، حب لم ينضج ليفرح لك من قلبه، فاختار أن يتلبس وجه العداء حين لم يستطع مواكبة خطواتك. هذا النوع من الأصدقاء هو الأصعب فراقاً، لأنك لا تستطيع كرهه تماماً، ولا تستطيع الوثوق به كالسابق. تظل معلقاً بين الذكريات والخذلان، بين الحب القديم والواقع القاسي.

لكن في لحظة ما، ستحتاج أن تختار نفسك. أن تقول كفى. أن تعترف بأن العلاقة التي تؤذيك أكثر مما تبنيك لم تعد صداقة. أن تحزن على النهاية، لكن لا تتمسك بسراب البداية. أن تتفهم أن بعض القلوب تحبنا بطريقتها، لكن ليس كل حبٍ نحتاج أن نتمسك به إن كان ثمنه راحة بالك وسلامك النفسي.

ربما سيبقى لك مكان عنده، وربما لا. ربما يتغير، وربما لا. لكن الأهم هو ألا تفقد نفسك وأنت تحاول الحفاظ على من لم يعد يراك إلا من خلال احتياجه لك، لا محبتك له. الصداقة لا تعني التملك، والحب لا يعني السيطرة. وما لا يبنى على الحرية والثقة، سيتهدم مهما طال عمره.

احفظ قلبك، واعرف متى تمضي.

تحول الصديق إلى عدو محب ومتملك هو اختبار لقوتك وحدودك. لا تسقط مسؤولية التغيير على نفسك وحدك، ولا تبرر سلوكه باسم الحب. حافظ على كرامتك، حدد حدودك، وامض قدماً نحو علاقات تعمري لا تستنزفك. ومن يختار أن يبقى في حياتك لأنه يحبك حقاً — سيظهر ذلك في دعمه لنجاحك وحريتك، لا في محاولته لقيدك.

  • Related Posts

    ما هى المجموعة الأقوى.

    ما هى المجموعة الأقوى في النسخة الجديدة للمونديال إكتمال عقد المتأهلين 48 إلى كأس العالم أمريكا26 لدينا 8 منتخبات عربية 10 منتخبات من أفريقيا تبدأ البطولة يوم 11/6 في أمريكا…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    ما هى المجموعة الأقوى.

    ما هى المجموعة الأقوى.

    لاعب محترم جدا .

    لاعب محترم جدا .

    بسبب مباراة مصر…هل تخسر إسبانيا استضافة نهائي كأس العالم 2030 ؟

    بسبب مباراة مصر…هل تخسر إسبانيا استضافة نهائي كأس العالم 2030 ؟

    هذا ما يحدث لجسمك عند تناول الخس..مفاجأة.

    هذا ما يحدث لجسمك عند تناول الخس..مفاجأة.
    هل أنا أحب؟

    أفضل 5 أبراج تشع أناقة وجمال .

    أفضل 5 أبراج تشع أناقة وجمال .