كتبت : حنان المطوع

نعرف القرفة جيداً.
نعرف لونها البني، ورائحتها التي تسبق مذاقها، ونعرف ذلك الطعم الدافئ الذي تضيفه إلى الحلويات والقهوة والشاي وبعض الأطعمة.
لكنني، وأنا أنظر يوماً إلى عود من القرفة، خطر في بالي سؤال بسيط لم أفكر فيه من قبل:
من أين يأتي هذا العود أصلًا؟
هل هو غصن صغير جففوه؟ أم جذر؟ أم جزء من ثمرة؟
ومن هنا بدأت الحكاية.
اكتشفت أن عود القرفة الذي نضعه في أكوابنا ليس غصناً كما يبدو، بل هو في الأصل جزء من لحاء شجرة.
نعم… نحن نشرب ونأكل لحاء شجرة.
تنتمي أشجار القرفة إلى جنس نباتي يسمى Cinnamomum، وهي أشجار دائمة الخضرة تنمو في المناطق الاستوائية من آسيا. وما نعرفه نحن بالقرفة يستخرج من اللحاء الداخلي لبعض أنواع هذه الأشجار.
والأجمل هو الطريقة التي يتحول بها ذلك اللحاء إلى العيدان الأنيقة التي نعرفها.
بعد قطع السيقان المناسبة، تزال الطبقة الخارجية الخشنة، ثم يؤخذ اللحاء الداخلي بعناية. وما إن يبدأ هذا اللحاء في الجفاف حتى يحدث شيء جميل؛ يلتف على نفسه تدريجياً، وكأنه يصنع شكله بيديه، حتى يصبح ذلك العود الطويل الملفوف الذي نراه في الأسواق.
ثم يكتمل تجفيفه، وبعد ذلك إما يبقى على هيئة أعواد، أو يطحن ليصبح ذلك المسحوق البني الذي يسكن مطابخ العالم.
لكن المفاجأة الأخرى أن القرفة ليست نوعاً واحداً.
فهناك القرفة السيلانية التي ارتبط اسمها طويلًا بسريلانكا، وهناك أنواع أخرى أشهرها الكاسيا، وهي القرفة المنتشرة على نطاق واسع في الأسواق اليوم. وقد تبدو جميعها متشابهة لمن ينظر إليها سريعاً، لكن شكل اللحاء وسماكته ونكهته وتركيبه يختلف من نوع إلى آخر.
وهنا بدأت أفهم لماذا كانت القرفة في الماضي أكثر من مجرد بهار.
قبل أن تصبح أكياس القرفة متاحة لنا بسهولة على رفوف المتاجر، كانت سلعة ثمينة تقطع مسافات هائلة حتى تصل إلى موائد بعيدة عن موطنها.
عرفها العالم القديم منذ آلاف السنين، وظهرت في طرق التجارة التي ربطت جنوب وجنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط وموانئ البحر المتوسط. وكان التجار يحملون التوابل عبر البحر والبر، فتنتقل من يد إلى أخرى، وكلما ابتعدت عن مصدرها ازدادت قيمتها وغموض حكايتها.
بل إن مصادر القرفة ظلت لفترات طويلة محاطة بالأسرار التجارية.
كان من مصلحة التجار ألا يعرف المشترون بسهولة أين تنمو تلك الشجرة الثمينة وكيف يصلون إليها مباشرة. ولهذا ارتبطت تجارة القرفة قديماً بحكايات وأساطير غريبة عن الأماكن التي تأتي منها، حتى أصبحت رائحتها مرتبطة بشيء بعيد ونادر لا يعرف الناس مصدره الحقيقي.
ثم تغير العالم.
اتسعت طرق الملاحة، وبدأ الأوروبيون يبحثون بأنفسهم عن مصادر التوابل التي كانوا يدفعون أثماناً مرتفعة للحصول عليها. ولم تكن القرفة وحدها وراء تلك الرحلات، بل كانت جزءاً من عالم كامل من الفلفل والقرنفل وجوزة الطيب وغيرها من التوابل التي صنعت تجارة ضخمة وغيرت طرق الملاحة والتنافس بين القوى التجارية في ذلك الزمن.
وأصبحت سريلانكا، التي عرفت تاريخياً باسم سيلان، واحدة من أشهر مواطن القرفة الحقيقية، وظلت القرفة السيلانية مرتبطة بها حتى يومنا هذا.
والغريب أننا عندما نفتح اليوم علبة القرفة في مطبخنا لا نرى شيئاً من كل هذه الرحلة.
لا نرى الشجرة الخضراء.
ولا اليد التي نزعت اللحاء عنها.
ولا ذلك الشريط الرقيق وهو يلتف على نفسه أثناء الجفاف.
ولا السفن القديمة التي حملت التوابل بين الموانئ.
ولا التجار الذين أخفوا أسرار مصدرها.
نرى فقط مسحوقاً بنياً نأخذ منه ملعقة صغيرة ونغلق العلبة.
وربما هذا ما يجعل حكايات الأشياء اليومية جميلة إلى هذا الحد.
فنحن نعيش محاطين بأشياء نظن أننا نعرفها، فقط لأننا اعتدنا رؤيتها.
لكن يكفي أحياناً أن نسأل سؤالًا صغيراً:
من أين جاء هذا؟
حتى يفتح أمامنا باب لحكاية عمرها آلاف السنين.
وفي المرة القادمة التي أمسك فيها عوداً من القرفة، لن أراه بالطريقة نفسها.
سأراه قطعة صغيرة من شجرة بعيدة، نزع لحاؤها، وجف تحت الشمس والهواء، والتف على نفسه، ثم بدأ رحلة طويلة عبر الأرض والبحر…
حتى انتهى به المطاف بهدوء في كوب أمامنا.
وكل ذلك بدأ من لحاء شجرة





