كتبت :حنان المطوع .
حين خانني القلب…

عدت إليعدت من الطرق الطويلة وأنا أحمل داخلي ذلك التعب الذي لا يرى، تعب الروح حين تخذلها الأشياء التي أحبتها بصدق. كنت أمشي وكأنني أجر خلفي أعواماً كاملة من الصمت، وكل خطوة كانت تحكي عن قلبٍ حاول كثيراً أن يبدو بخير، بينما كان يتشقق بهدوء تحت ثقل الخيبة. فالخذلان لا يأتي صاخباً كما نظن، بل يتسلل إلينا ناعماً، يشبه يداً حانية تخفي خلف دفئها برودة الفقد، ثم يتركنا فجأة في منتصف العمر العاطفي بلا يقين.وحده الإنسان الذي أحب بعمق يعرف كيف يصبح الحنين عبئاً، وكيف يمكن لذكرى واحدة أن تشعل في القلب حرائق لا تنطفئ. كنت أظن أنني قادرة على النجاة، أن الوقت سيعلمني كيف أتجاوز، لكن بعض الجراح لا تشفى، بل تتعلم فقط كيف تسكن داخلنا بأناقة مؤلمة. ولهذا كنت كلما ابتسمت شعرت أن شيئاً في داخلي يبكي بصمت، وكلما اقترب مني الناس ازداد إحساسي بالوحدة، كأنني أقف خلف زجاج شفاف لا يراني أحد من خلاله.أصعب ما يفعله الخذلان أنه لا يسرق منا الآخرين فقط، بل يأخذ منا نسختنا القديمة أيضاً. تلك النسخة التي كانت تؤمن بالحب دون خوف، وتمنح قلبها بثقة الأطفال، وتنتظر الغد بشغف بريء. أما الآن فأنا أبحث عن نفسي بين الركام، أفتش عنها في تفاصيل الأيام، في الرسائل القديمة، في الأماكن التي كانت تعرف ضحكتي جيداً، فلا أجد سوى امرأة أكثر هدوءاً… وأكثر حزناً.ورغم ذلك، ما زال في داخلي شيء يقاوم الانطفاء. شيء صغير جداً يشبه الضوء الأخير قبل الفجر، يخبرني أن القلب الذي احترق يوماً قادر على أن يزهر من جديد، وأن الأرواح المتعبة لا تموت، بل تحتاج فقط إلى من يربت على وجعها بحنان صادق. ربما لن يعود الأمس كما كان، وربما لن أستعيد تلك الطمأنينة القديمة، لكنني بدأت أفهم أن النجاة ليست في نسيان الألم، بل في التصالح معه، وفي أن أتعلم كيف أحب نفسي حتى وهي مكسورة.لهذا صرت أميل إلى الهدوء أكثر، إلى السلام الذي يأتي بعد العواصف، وأدركت أن بعض النهايات لم تخلق لتعذبنا، بل لتعيدنا إلينا. وأن الإنسان، مهما أثقله الخذلان، يستطيع في لحظة صفاء واحدة أن يلتقط قلبه من بين الحطام، ويواصل الحياة بخفةٍ جديدة… كأن كل ذلك الألم لم يكن إلا طريقاً طويلاً نحو نفسه.








