كتبت : حنان المطوع

الثقة علاقة تبنى لا تفرض. هي ليست منحة عشوائية، بل ثمرة مواقف وصبر وتجارب. تشبه الجسر بين قلبين، قد يبدو متيناً، ولكن إن انهار في لحظة، فقد يحتاج سنوات ليبنى من جديد. ومع ذلك، يختلف البشر في تعاطيهم مع الثقة؛ فمنهم من يعتبر السر أمانة مقدسة لا تخضع لأي اختبار، ومنهم من يراه مجرد معلومة يمكن مشاركتها إذا لم تذكر كلمة “سر”، ومنهم من يحوله، للأسف، إلى مادة للتسلية أو وسيلة لتحقيق مكسب شخصي.
كم مرة روينا سراً لصديق وفي، فاستمع بصمت ولم يعرف أحد بما قلناه؟ كم هو شعور الاطمئنان الذي يمنحنا إياه مثل هذا الشخص، وكأن حياتنا تصبح أكثر اماناً. وفي المقابل، كم مرة أخبرنا أحدهم بسر صغير، لنكتشف بعد أيام أنه أصبح حديث الآخرين؟ هنا ندرك أننا لم نختر الشخص المناسب لنمنحه ثقتنا، وأن الثقة ليست مجرد كلمات بل اختبار للضمير. أحيانًا نجد شخصًا يبرر إفشاءه للسر قائلاً: “لم أقصد… فقط أخبرت فلانًا لأنه مقرب منك”، ومع ذلك يبقى السر سراً، ولا يحتاج لأي تبرير لينكسر.
وتظل الأسئلة تتراود في أذهاننا: هل نحسن اختيار من نمنحه أسرارنا؟ هل لدينا الجرأة لنقول “لا” حين نشعر أن الشخص غير جدير؟ ولماذا نلوم الآخرين احياناً بينما نحن وضعنا الثقة في غير موضعها؟ وهل يمكن استعادة الثقة بعد خيانة واحدة؟ هذه التساؤلات تفتح باب التأمل في معنى الثقة وحدودها، وتجعلنا أكثر حرصاً في منحها مرة أخرى.
لكن الحياة ليست كلها خيبات. هناك أشخاص يثبتون كل يوم أن الإنسانية بخير، أشخاص لا يذكرون اسمك حين يستشهدون بقصتك، وأقارب يسمعون بلا تعليق احتراماً لمشاعرك، وأصدقاء يصونون ما تقول كما يصون صلواتهم. هؤلاء هم الذين تجعلهم الحياة “خزانة أسرارك”، فتشعر معهم براحة واطمئناناً لا خوفاً.
وفي النهاية، كل سر نخبر به أحدهم هو سهم قد يعود إلينا اماناً أو جرحاً. والحياة سلسلة من اختبارات الثقة؛ ننجح في بعضها ونفشل في أخرى. ويبقى السؤال الذي يلاحقنا دايماً: إذا عاد الزمن، هل سنمنح نفس الشخص الثقة نفسها مرة أخرى؟






