كتبت : حنان المطوع

بالأمس بدأنا رحلتنا مع الطبيب والفيلسوف ابن سينا، وتعرفنا إلى نظرته العميقة للعقل والذاكرة، وكيف دوّن ملاحظات سبقت عصره بقرون. واليوم نبدأ أولى حلقات هذه السلسلة، لنجيب عن سؤال يراود كل إنسان:
لماذا ننسى؟
قد يبدو النسيان لنا عيبًا أو ضعفًا في الذاكرة، لكن ابن سينا نظر إليه بطريقة مختلفة. فقد رأى أن الذاكرة ليست مجرد مكان تُخزن فيه المعلومات، بل هي عملية تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يستقبل فيها العقل ما يراه أو يسمعه. فإذا لم يكن الانتباه حاضرًا، أو كانت الفكرة مشوشة، فلن تُحفظ في الذاكرة حفظًا متينًا، ولذلك يكون النسيان أمرًا طبيعيًا.
وكان يصف ما سماه القوى الباطنة، وهي القوى التي تستقبل الصور والمعاني ثم تحفظها وتسترجعها عند الحاجة. فإذا ضعفت إحدى هذه القوى، أو انشغل العقل بكثرة المؤثرات، أصبح استرجاع المعلومات أصعب، حتى وإن كانت قد مرت أمام الإنسان من قبل.
واليوم، وبعد أكثر من ألف عام، يخبرنا علم الأعصاب أن تكوين الذكريات يبدأ فعلًا بالانتباه. فالدماغ لا يخزن كل ما تقع عليه العين أو تسمعه الأذن، بل ينتقي ما يركز عليه الإنسان، ثم يعمل على تثبيته في الذاكرة. أما المعلومات التي تمر بلا تركيز، فإنها غالبًا لا تتحول إلى ذكرى مستقرة، فيبدو الأمر وكأننا نسيناها، بينما هي في الأصل لم تُخزن بصورة جيدة.
وهنا يلتقي فكر ابن سينا مع ما يقوله العلم الحديث: الذاكرة لا تبدأ بالحفظ، بل تبدأ بالانتباه.
وغدًا ننتقل إلى القاعدة الثانية، لنتعرف إلى أحد أهم المفاتيح التي رأى ابن سينا أنها تجعل الذاكرة أقوى وأكثر ثباتًا.






