كتبت : حنان المطوع

نعيش في زمنٍ غريب، أصبح فيه الكلام أكثر من الفعل، والاقتراب أصعب من البعد، والاهتمام عملة نادرة لا نجدها إلا عند من لا ننتظرهم أصلًا. صار الناس يختفون بصمت، يبتعدون دون سببٍ واضح، كأن الرحيل أصبح عادةً سهلة لا تحتاج إلى تفسير.
نحن نتظاهر بالقوة، نضحك في الصور، نشارك لحظات تبدو سعيدة، بينما في الداخل شيء ينكسر بهدوء. نبحث عن الأمان في قلوبٍ متعبة مثلنا، ونحاول أن نظهر بخيرٍ أمام من لا يسأل أصلًا. كأننا اتفقنا جميعاً على أن نخفي وجعنا كي لا يرانا أحد ضعفاء، بينما في الحقيقة نحن نحتاج فقط لمن يقول لنا: “أنا أفهمك، لا تشرح.”
العلاقات أصبحت سريعة، تنتهي لأتفه الأسباب، وكأن الناس لم يعودوا يملكون صبر الحب ولا وفاء الصداقة. نمنح بصدق، فنفاجأ بأن الصدق صار عبئاً على من اعتادوا التمثيل. أصبح من الصعب أن تجد من يبقى لا لشيء، إلا لأنه يريد البقاء.
والغريب أن الجميع يشتكي من الوحدة، لكن احداً لا يقترب حقاً. نخاف التعلق، نخاف الفقد، نخاف أن نؤذي، فنختار العزلة، وندعي أنها راحة. ومع الوقت، نصبح متفرجين على حياتنا، نراقبها تمضي دون أن نملك الجرأة على العودة لما كنا عليه.
ومع ذلك، هناك دايماً بصيص أمل. شخص صادق يظهر فجأة، كلمة تلمس القلب، لحظة دفء تعيد فينا الإحساس بالإنسانية. رغم كل شيء، لا يزال في هذا العالم من يحب بصدق، ويهتم دون مصلحة، ويشعر بك دون أن تتكلم.
فقط علينا ألا نفقد الإيمان بأن الطيبة ليست ضعفاً، وأن المشاعر الحقيقية لا تندثر، حتى وإن أصبحت نادرة. لأن الإنسان، مهما تغير، يظل يبحث عن قلبٍ يفهمه، ويدٍ تربت على روحه دون حكم، وصوتٍ يقول له: “ما زال في الحياة متسع للحب، للصدق، وللأمل





