كتبت : حنان المطوع .

تمر علينا النعم بهدوء حتى نكاد لا نشعر بها، وكأنها أصبحت جزءاً طبيعياً لا يستحق الالتفات. نعتادها شيئاً فشيئاً، فتفقد بريقها في أعيننا، لا لأنها تغيرت، بل لأن إحساسنا بها خفت. وهنا تبدأ فجوة خفية بين ما نملك وما نشعر به، فننظر إلى ما ينقصنا ونغفل عما يحيط بنا من عطاءٍ لم نحسن تأمله.
الامتنان ليس مجرد كلمة تقال، بل هو حالة وعي تعيد للأشياء قيمتها في داخلنا. حين ندرك أن ما بين أيدينا لم يكن حتمياً، بل هو فضل من الله اختصنا به، يتبدل الشعور من الاعتياد إلى الامتنان، ومن الغفلة إلى الإدراك. فالنعم حين ترى بعين القلب، تعود نابضة بالحياة، ويعود معها ذلك الإحساس العميق بالرضا الذي لا يرتبط بالكثرة، بل بالوعي.
كثيراً ما ننشغل بما نفتقده، نثقل أرواحنا بمقارنات لا تنتهي، بينما يكمن السر في التوقف لحظة، في التأمل، في إعادة النظر لما نملكه بالفعل. فحين نتأمل النعم، مهما بدت بسيطة، نكتشف أنها تحمل في طياتها معاني عظيمة لا تقدر بثمن. وعندما نعبر عن امتناننا، بالكلمة الصادقة أو بالفعل الصغير، فإننا لا نحيي النعمة فقط، بل نحيي داخلنا شعوراً بالسكينة والامتلاء.
الامتنان يمنح الحياة طعماً مختلفاً، يخفف من وطأة القلق، ويقرب القلوب، ويزرع في النفس سلاماً لا تصنعه الظروف بقدر ما يصنعه الإدراك. هو ذلك التحول الهادئ الذي يجعل الإنسان يرى الجمال فيما اعتاد عليه، ويشعر بالثراء فيما كان يظنه عادياً.
ليست النعم هي التي تفقد قيمتها، بل نحن من نعتادها حتى تغيب عن وعينا. فإذا أردنا أن تبقى حاضرة في قلوبنا، فعلينا أن نراها كل يوم وكأنها تمنح لنا لأول مرة، وأن نستقبلها بدهشة الشكر، لا ببرود الاعتياد.





