شعوري وانا جدة

كتبت : حنان المطوع .
اليوم وأنا أكتب عن شعوري لأول مرة كجدة أدرك أن هذه المرحلة ليست رقماً في العمر بل حالة قلب امتلأ حتى فاض رضا وحمداً وشكراً لله على نعمة جاءتني في الوقت الذي كنت أظن فيه أن أجمل أدواري قد انتهت فإذا بالحياة تفاجئني بدور أجمل وأحن وأقرب إلى روحي من أي وقت مضى.
منذ اللحظة التي سمعت فيها كلمة جدة لأول مرة شعرت أن شيئاً عميقاً في داخلي قد تبدل وكأن قلبي اتسع فجأة ليحتضن حياة أخرى خرجت من روحي بطريقة غير مباشرة لم أعد فقط أماً أنهت مهمتها الكبرى في التربية والسهر والقلق بل أصبحت بداية حكاية جديدة أكثر هدوءاً وأعمق احساساً وأصفى حباً.
حين أخبروني أنني سأصبح جدة شعرت بمزيج غريب من الدهشة والفرح والخوف الخفيف كأنني أقف على عتبة زمن جديد لا أعرف تفاصيله لكنني متأكدة أنه يحمل لي سعادة مختلفة وعندما رأيت حفيدي للمرة الأولى أدركت أن المشاعر التي قرأت عنها يوماً لا يمكن أن توصف بالكلمات كان صغيراً جداً لكنه حرك داخلي جبالًا من الحنان لم أكن أعلم أنها ما زالت تسكنني
أحمله بين يدي فأشعر أن السنوات التي مضت بكل تعبها وسهرها لم تكن إلا تمهيداً لهذه اللحظة وكأن الله عوضني بابتسامة صغيرة عن كل لحظة قلق عشتها في أمومتي الأولى أنظر إلى ملامحه فأرى فيها ابني صغيراً وأرى نفسي شابة وأرى امتداد العائلة يتجسد أمام عيني في صورة بريئة تحتاج إلى حب لا ينتهي.
أراقب نومه الطويل وأتنفس معه ببطء وأدعو له بدعوات صادقة تخرج من أعماق قلبي دون ترتيب أخاف عليه من نسمة هواء وأفرح بأول ضحكة وأنتظر أول كلمة وأشعر أن الزمن عاد بي إلى الخلف لكن هذه المرة دون رهبة المسؤولية الكاملة بل بحب صافٍ هادئ لا يعكره توتر التربية ولا قلق القرارات المصيرية.
أن أكون جدة يعني أن أعيش الأمومة بروح أكثر نضجاً وأقل اندفاعاً أن أقدم الحنان بلا شروط وأن أكتفي بدور الداعم والمساند أن أكون الملجأ الدافئ حين يضيق به العالم وأن أزرع في قلبه ذكريات جميلة تبقى معه حين يكبر فأنا الآن أفهم أن دوري ليس أن أربيه بدل والديه بل أن أكون له حضناً إضافياً وصوتاً مليئاً بالطمأنينة.
أضحك معه فأشعر أنني أصغر سنوات كثيرة أعود طفلة حين أقلد أصواته وألعب بأصابعه الصغيرة وأحكي له قصصاً كنت أحكيها لأمة يوماً ما وكأن الحياة تدور دورة كاملة لتمنحني فرصة جديدة أعيش فيها التفاصيل ذاتها ولكن بقلب أكثر هدوءاً ووعياً.
وحين ينادوني انتِ جدة أشعر بلقب يفوق كل الألقاب لأنه لا يحمل فقط معنى القرابة بل يحمل تاريخي كله وتجربتي وعمري وصبري هو شهادة حب من جيل جديد يخبرني أنني ما زلت أملك الكثير لأعطيه.







