كتبت : حنان المطوع

ذاكرة مسقط السياسية كما ترويها جدران بيت الجريزة. يقف بيت الجريزة في مسقط شاهداً صامتاً على قرونٍ طويلة من التحولات السياسية والحضارية التي مرت بها عمان، وكأنه ذاكرة حجرية تختزن في جدرانها حكايات الملوك والحكام والبحارة والغزاة. تعود جذور هذا البيت إلى أواخر القرن السادس عشر، وتحديداً إلى عام 1597م، حين كانت مسقط خاضعة للوجود البرتغالي الذي أقام فيها منشآت عسكرية وإدارية متعددة، فكان الموقع جزءاً من مجمع أجنبي يضم مقراً للحاكم ومستودعات وكنيسة ومرافق أخرى، قبل أن تستعيد عمان سيادتها وتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها.مع انحسار النفوذ البرتغالي وبروز الدولة العمانية، تحول المبنى من أثرٍ استعماري إلى رمزٍ سيادي، وأصبح بيت الجريزة أحد مقار الحكم في مسقط عندما اتخذت المدينة عاصمة للبلاد. وفي هذه المرحلة دخل البيت في قلب الحياة السياسية، إذ تعاقب عليه حكام أسرة البوسعيد الذين اتخذوه مقراً للإقامة وإدارة شؤون الدولة، فشهد قرارات مصيرية، ولقاءات سياسية، وأياماً كانت فيها مسقط بوابة عُمان إلى العالم.بلغ بيت الجريزة ذروة حضوره السياسي في أواخر القرن الثامن عشر، عندما أقام فيه السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي بين عامي 1792 و1800م تقريباً، وكان البيت آنذاك يعج بالحركة والحرس والوفود، قبل أن تنتقل الإقامة السلطانية لاحقاً إلى قصر العلم المطل على البحر، ليبدأ بيت الجريزة مرحلة من الصمت الطويل. بعد هذا الانتقال فقد المبنى مكانته كقصر حكم، واستخدم لسنوات طويلة لأغراض ثانوية كمستودعات وإسطبلات، حتى كاد أن ينسى، وتوارى خلف التحولات العمرانية الحديثة.غير أن التاريخ لا ينسى شواهده المهمة، ففي سبعينيات القرن العشرين أُعيد الاعتبار لبيت الجريزة من خلال مشروع ترميم شامل عام 1976م، أشرف عليه المعماري العراقي المعروف محمد مكية، حيث أُعيد إحياء الروح المعمارية للمكان مع الحفاظ على هويته التاريخية. وبعد الترميم عاد البيت ليستقبل الحياة من جديد، وأقام فيه لفترة قصيرة السلطان الراحل قابوس بن سعيد، ليكون بذلك آخر سلطان يسكن هذا البيت العريق، كما استخدم لاحقاً لاستقبال شخصيات سياسية وملكية عالمية، فامتزج فيه التاريخ العُماني بالحضور الدولي.وفي السنوات الأخيرة، انتقل بيت الجريزة من كونه مقراً مغلقاً إلى فضاء ثقافي مفتوح، حيث أُدرج ضمن مشروع المتحف الوطني في مسقط، وافتتح أمام الجمهور ليحكي قصته للأجيال الجديدة. اليوم لا يقف الزائر أمام مبنى أثري فحسب، بل أمام سجل حي لمسيرة دولة، ومرآة تعكس تحول عُمان من زمن الصراعات البحرية والقصور السلطانية إلى دولة حديثة تصون تاريخها وتقدمه في قالب حضاري راقٍ. هكذا يبقى بيت الجريزة أكثر من مجرد بناء، إنه فصل طويل من كتاب عُمان لم تغلق صفحاته بعد.






