كتبت : حنان المطوع

في هذه الحياة، يتشارك الناس الحكايات، لكنهم لا يتشاركون الأثقال.
قد يجلس معك العشرات، يستمعون لقصتك من بدايتها حتى نهايتها، يهزون رؤوسهم تعاطفاً، وربما يذرف بعضهم كلمات مواساة، لكن حين تنهض لتكمل طريقك، تنهض وحدك. فالحمل الذي فوق ظهرك لا يشعر به إلا أنت، والوجع الذي في صدرك لا يوقظه إلا قلبك.
وهنا تكمن أول عبرة: لا تخدعك كثرة السامعين. فليس كل من يسمع معنياً، وليس كل من تعاطف قادراً على الفعل. بعض الناس يستمع بدافع الفضول، وبعضهم بدافع المقارنة، وبعضهم ليستشعر أنه أفضل حالاً، وقلة قليلة فقط تسمع بقلبها. لذلك، لا تجعل راحة نفسك معلقة على ردود أفعال الآخرين.
العبرة الثانية أن القوة الحقيقية صامتة. أقوى الناس ليسوا أولئك الذين يكثرون الشكوى، بل الذين يتألمون بصمت ويواصلون السير. ليس لأنهم لا يحتاجون الكلام، بل لأنهم أدركوا أن الشكوى لا تخفف الحمل، وأن الصبر هو ما يبقي الظهر ثابتاً. فكم من شخص بكى أمام الناس ولم ينقذوه، وكم من شخص صبر وحده حتى تغير حاله.
أما العِبرة الثالثة، فهي أن الاعتماد على النفس ضرورة لا قسوة. لا يعني أن تعتمد على نفسك أن تغلق قلبك أو ترفض المساعدة، بل أن لا تجعل حياتك متوقفة على أحد. فالبشر يتغيرون، والظروف تتبدل، ومن كان قريباً اليوم قد يكون بعيداً غداً. وحدك أنت الثابت في حياتك، فكن السند الأول لنفسك.
ومن العبر المهمة أيضاً أن ليس كل من نصحك فهمك. كثيرون يقدمون النصيحة وهم لم يعيشوا نصف ما عشته، ولم يحملوا ربع ما حملته. قد تكون نصائحهم صادقة، لكنها لا تناسب طريقك. لذلك، خذ من كلام الناس ما يوافق عقلك وقلبك، واترك ما لا يشبهك دون خصام أو تبرير.
وتعلمنا الحياة كذلك أن الكتمان أحياناً حكمة. ليس كل هم يقال، وليس كل وجع يحكى. بعض الأحزان إن خرجت ضعفت، وبعضها إن بقيت داخلك نضجت حتى تحولت إلى قوة. فاختر متى تتكلم، ولمن تتكلم، ولا تفتح أبوابك لكل من طرقها.
واخيراً، العبرة الأهم: احترم نفسك لأنك صمدت. حين تتعب، تذكر أنك ما زلت واقفاً. حين تشعر أن لا أحد يفهمك، تذكر أنك فهمت نفسك. وحين تشعر أن الجميع يسمع قصتك ولا أحد يحمل همك، فاعلم أن الله أعطاك ظهراً قوياً لأنه يعلم أنك قادر.
فلا يحمل حمولتك إلا ظهرك، نعم…
لكن هذا الظهر خلق أقوى مما تظن.






