مواقف تكشف القيم… حين يقل العتاب ويكثر الغياب.
كتبت : حنان المطوع .

أحياناً لا نحتاج إلى كلمات قاسية ولا إلى مواقف صادمة لنعرف مكانتنا عند الآخرين؛ يكفي موقف عابر، تصرف بسيط، أو غياب غير ملحوظ، ليكشف لنا الكثير. تلك اللحظات الصامتة هي التي تعلمنا بعمق معنى المقولة:
«أحياناً تحصل مواقف تعرفك قيمتك عند كل شخص وتخليك تقلل عتاب وتكثر غياب».
في بدايات العلاقات، نفرط في العتاب بدافع القرب، ونمنح الأعذار بدافع المحبة، ونفسر الإهمال على أنه انشغال مؤقت. نعتقد أن حضورنا مفهوم، وأن غيابنا سيلاحظ، وأن مكانتنا ثابتة لا تهتز. لكن الحياة، مع مرور الوقت، ترسل لنا اختبارات صغيرة، غير معلنة، لتعيد ترتيب قناعاتنا.
قد تمر بضيق ولا تجد من يسأل، أو تنجح ولا تجد من يفرح، أو تغيب طويلًا ولا يفتقدك أحد. هنا لا يكون الألم في الموقف نفسه، بل في الاكتشاف. اكتشاف أنك كنت تبذل أكثر مما يجب، وتنتظر أكثر مما ينبغي، وتحمل الآخرين مسؤوليات لم يختاروها أصلًا.
هذه المواقف لا تأتي لتحبطنا، بل تعلمنا.
تعلمنا أن العتاب الزائد لا يصلح القلوب، وأن الشرح المتكرر لا يخلق اهتماماً ، وأن من يريدك سيشعر بك دون تنبيه. عندها يبدأ التغيير الحقيقي: نقلل العتاب، ليس لأننا لم نعد نملك ما نقوله، بل لأننا فهمنا أن الصمت أبلغ. ونكثر الغياب، لا هروباً، بل حفاظاً على كرامتنا وهدوئنا.
الغياب هنا ليس قطيعة، بل إعادة تموضع. هو اختيار واعٍ بأن نمنح وقتنا وطاقتنا لمن يقدر وجودنا، لا لمن يتذكرنا عند الحاجة فقط. هو تعبير ناضج عن احترام الذات، وفهم عميق لمعنى العلاقات المتوازنة.
ومن أجمل ما في هذه المرحلة أنها تنقي الدائرة من حولنا. يبقى القليل، لكنهم الصادقون. أشخاص لا يحتاجون إلى عتاب، ولا يختبرون غيابك ليثبتوا حضورهم. معهم يكون الكلام خفيفاً، والسكوت مريحاً، والوجود متبادلًا دون حساب.
في النهاية، ليست كل خسارة خسارة، وليست كل وحدة ضعفاً. أحياناً يكون الابتعاد مكسباً، ويكون الصمت قوة، ويكون تقليل العتاب علامة نضج لا برود. فالمواقف التي تكشف قيمتنا قد تؤلم في لحظتها، لكنها تمنحنا وضوحاً نادراً، وتجعلنا أكثر وعياً بأنفسنا وبمن نستحق أن نبقى معهم






