لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

كتبت : حنان المطوع

في السابق، كان الصمت جزءاً طبيعياً من اليوم. يجلس الإنسان وحده في شرفته، أو يمشي في طريق طويل، أو ينتظر شخصاً، أو ينظر من نافذة دون أن يشعر أن عليه أن يفعل شيئاً في كل دقيقة. كان هناك وقت فارغ. والوقت الفارغ لم يكن عيباً. كان مساحة يفكر فيها الإنسان، ويرتب ما بداخله، ويتذكر، ويخطط، وأحيانا لا يفعل شيئاً سوى أن يترك أفكاره تمر أمامه بهدوء.

أما اليوم، فأصبح الصمت غريباً علينا. يكاد الإنسان يجلس دقيقة واحدة بلا هاتف فيشعر أن شيئاً ناقصاً. نفتح الهاتف ونحن لا ننتظر رسالة. نتصفح ونحن لا نبحث عن شيء. ننتقل من صورة إلى فيديو، ومن فيديو إلى خبر، ومن خبر إلى تعليق، فقط حتى لا تبقى هناك لحظة فارغة. وكأننا أصبحنا نخاف من الفراغ أكثر مما نخاف من الضجيج.

لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله هو:
ماذا نخشى أن نسمع لو صمت كل شيء من حولنا؟

ربما نخاف أن نسمع أنفسنا. أن نتذكر شيئاً أجلنا التفكير فيه. أن نعترف أننا متعبون. أن نكتشف أن بعض العلاقات لم تعد تشبهنا. أن نسأل أنفسنا إن كنا فعلًا سعداء بالحياة التي نعيشها، أم أننا فقط مشغولون بما يكفي حتى لا نطرح السؤال.

فالضجيج أحياناً ليس حولنا فقط. نحن نصنعه بأنفسنا. نملأ يومنا بالمواعيد، والرسائل، والشاشات، والكلام، والمقاطع، لأن الهدوء قد يفتح أبواباً لا نريد فتحها.

ومع الوقت، أصبح الإنسان قادراً على التواصل مع مئات الأشخاص في يوم واحد، لكنه قد يجد صعوبة في الجلوس مع نفسه عشر دقائق.

وهنا المفارقة.
نحن أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكننا ربما أصبحنا أقل معرفة بأنفسنا. نعرف ماذا يفعل الآخرون. ماذا يأكلون. إلى أين سافروا. ما الذي اشتروه. وماذا قالوا. لكننا أحياناً لا نعرف ماذا نريد نحن. ولا لماذا نحن منزعجون.ولا ما الذي ينقصنا فعلًا. وليس المطلوب أن نهرب من التكنولوجيا أو نغلق هواتفنا ونعيش بعيداً عن العالم.

المشكلة ليست في الهاتف.

المشكلة أن يتحول إلى باب نهرب من خلاله كلما اقتربنا من أنفسنا. فبعض الإجابات لا تأتي من شاشة. ولا من رأي شخص آخر. ولا من مقطع مدته ثلاثون ثانية. بعض الإجابات تحتاج إلى غرفة هادئة. ومشوار طويل. وفنجان قهوة بلا هاتف. ولحظة نسمح فيها لأفكارنا أن تكمل الجملة التي نقاطعها منذ سنوات. قد يكون الصمت في البداية ثقيلًا. لأننا حين نهدأ، تظهر الأشياء التي أخفاها الانشغال. لكن بعد قليل يحدث شيء جميل. تبدأ الأفكار في الترتيب. وتصبح الأشياء أوضح. ونعرف ما الذي يستحق أن نحمله معنا، وما الذي حان الوقت أن نتركه.

وربما لهذا كان الإنسان قديماً يجلس طويلًا يتأمل السماء أو البحر أو الطريق. لم يكن يضيع وقته. كان يستعيد نفسه. نحن اليوم لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج. لدينا منه ما يكفي. ربما نحتاج فقط إلى أن نتعلم من جديد كيف نجلس مع أنفسنا دون أن نشعر بالوحشة. لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يبقى وحده مع أفكاره…. قد يقضي عمره كله مشغولًا عن الشخص الوحيد الذي سيعيش معه حتى النهاية.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد