كتبت: حنان المطوع

في بعض الليالي… لا يكون الحزن صاخباً، بل هادئاً كغروبٍ بعيد، يجلس في القلب دون أن يتكلم، ويترك الإنسان يبتسم للناس بينما في داخله شيء مكسور لا يراه أحد.
هناك كسور لا تشفى بالكلام، ولا ترمم بالوعود، ولا يلمسها البشر مهما حاولوا الاقتراب. كسر يشبه نافذة مفتوحة على بردٍ طويل، أو مدينةٍ انطفأت أنوارها فجأة بعد ضجيج الحياة.
ولهذا كانت أعظم الطمأنينة أن يعرف الإنسان أن الله وحده يرى ما لا يقال.
يرى تلك الآهات التي نخفيها خلف “أنا بخير”، ويرى التعب الذي لا تلتقطه العيون، ويرى القلب حين يتظاهر بالقوة بينما هو ينهار بصمت.
“لا أحد يرى ذلك الكسر في صدرك… إلا الله.”
جملة ليست حزينة كما تبدو، بل مليئة بالرحمة. لأن البشر أحياناً يسمعونك ولا يفهمونك، يقتربون منك لكنهم لا يشعرون بما في داخلك، أما الله فيعرف حتى تلك الدموع التي لم تنزل بعد.
كم مرة جلسنا ننتظر أن يشعر بنا أحد؟
أن ينتبه أحد لثقل أرواحنا، لتعب الأيام، لخذلانٍ مر علينا كالعاصفة… لكننا اكتشفنا متأخرين أن بعض الكسور خلقت لتأخذنا إلى الله، لا إلى الناس.
فكل ألمٍ يدفعك إلى السماء هو نجاة، وكل انكسار يجعلك أكثر قرباً من الدعاء هو رحمة متنكرة بصورة وجع.
والجميل في الله… أنه لا يطلب منك أن تكون قوياً دائماً.
يكفي أن تأتيه بقلبك كما هو، متعباً، خائفاً، مثقلاً، وسيحتويك برحمته.
الله لا يمل من شكواك، ولا يضيق بحزنك، ولا يعاتبك لأنك بكيت للمرة الألف على نفس الوجع. هو وحده الذي يعلم لماذا تغيرت ملامحك، ولماذا أصبحت أكثر صمتاً، ولماذا تخاف من الأشياء التي كنت يوماً تحبها.
وفي لحظة صفاء واحدة… يدرك الإنسان أن النجاة الحقيقية ليست في أن يفهمك الجميع، بل في أن يطمئن قلبك بأن الله يعلم.
يعلم نيتك، وصبرك، ومحاولاتك الخفية للتماسك، ويعلم أنك قاومت كثيراً حتى وصلت إلى هذا التعب.
لهذا لا تحزن إن لم يفهمك أحد.
يكفي أن رب السماء يعلم حقيقتك كاملة، يسمع صوت قلبك قبل صوتك، ويجبر كسرك بطريقة لا يستطيعها أحد.
فبعض الجبر لا يأتي من الناس، بل يأتي كطمأنينة مفاجئة، كدعوةٍ مستجابة، كسلامٍ يهبط على روحك بعد طول اختناق.
وفي النهاية…
سيبقى الله الملجأ الوحيد الذي لا يغلق بابه، والنور الذي لا ينطفئ مهما اشتدت عتمة الأيام.
فإذا أثقلتك الحياة يوماً، تذكر فقط:
أن هناك رباً يرى ذلك الكسر الذي لا يراه العالم كله… ولن يترك قلباً لجأ إليه مكسوراً.






