كتبت : حنان المطوع

هناك في الأعالي حيث لا يصل الضجيج ولا تمتد الطرق المألوفة يعيش كائن أبيض هادئ يشبه الأسرار كأنه قطعة من الثلج قررت أن تكون روحاً تمشي على الحواف إنه الماعز الجبلي Oreamnos americanus الذي لا يختار السهولة ولا يغريه الأمان بل يمضي دائماً نحو الأماكن التي يتراجع عنها الجميع حيث الخطر أقرب من الخطوة والهاوية تفتح ذراعيها لكل متردد ومع ذلك لا يرتجف ولا يلتفت ولا يساوم على طريقه يمشي وكأن الأرض خلقت خصيصاً لقدميه وكأن التوازن ليس مهارة بل إيمان داخلي عميق بأن السقوط ليس قدراً لمن يعرف كيف يثبت قلبه قبل قدميه
في جبال الروكي حيث الرياح حادة كالسكاكين والبرد يلامس حدود القسوة يقف هذا الكائن الأبيض شامخاً لا لأنه الأقوى جسداً بل لأنه الأكثر انسجاماً مع قسوة الحياة هناك لا مكان للادعاء ولا وقت للتردد كل خطوة قرار وكل حركة نجاة ومع ذلك يبدو المشهد وكأنه رقصة هادئة فوق صخور قاسية كأن الحياة علمته أن القوة الحقيقية لا تصرخ بل تسير بثبات وأن النجاة لا تحتاج ضجيجاً بل تحتاج وعياً عميقاً بكل خطوة
كأنني لا أراه يمشي بل أعزف عليه بعيني لحناً هادئاً الماعز الجبلي لا يخطو فوق الصخر بل ينساب عليه بخفة تشبه أنامل عازفة بيانو تتنقل بين النوتات دون تردد ودون ارتباك كأن كل حافة ضيقة ليست خطراً بل مفتاحاً موسيقياً يعرفه جيداً وعندما يتحرك بين قمم الجبال يبدو وكأنه راقصة باليه تتنقل بخفة فائقة بين المنصات الصخرية فلا يترك أثراً ولا يصدر صوتاً بل كل خطوة انسجام كامل مع الطبيعة من حوله
ومع كل هذا يبدو له البشر مجرد زائرين نادرين في عالمه فهو لا يعيش معهم ولا يعتمد عليهم يتنقل بعيداً عن أعيننا ولا يختلط بهم إلا بالصدفة القصيرة التي سرعان ما يختفي بعدها عائداً لعالمه الخاص حيث الحرية المطلقة والتوازن الخالص
وعندما نظن أن لا شيء يعيش هناك فوق الصخور الملساء ونرى الماعز يلحس الثلج للحصول على الماء، نتساءل عن غذائه الحقيقي وما يبقيه قوياً وصحياً في تلك البيئات القاسية الحقيقة أنه يتغذى على طحالب صغيرة وأشنات تنمو في الشقوق وعلى أعشاب جبلية دقيقة نادرة لا تراها العين بسهولة وهو خبير في استخراج أقصى فائدة من كل شيء يجد أمامه جهازه الهضمي المعقد يحول القليل إلى طاقة كافية ليعيش ويستمر
ليس كل من قل طعامه ضعف بعض الكائنات خلقت لتتقن الاكتفاء فتصنع من القليل حياة كاملة ومن الخفاء قوة لا ترى وهذا ما يجعل هذا الماعز يبدو بصحة رائعة رغم صعوبة بيئته
هنا، فوق الحواف حيث يختفي الخوف ويظهر الاتزان، يتحول المشي إلى فن والنجاة إلى لحن لا يتقنه إلا من تعلم أن يثق بخطوته قبل أن يضعها إنه درس للطبيعة والإنسان معاً أن القوة لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد بل بقدرتك على التكيف مع الصعب والاعتماد على وعينا وفهمنا لكل خطوة نخطوها






