حين نكتشف أننا كنا أكبر في خيالنا

كتبت : حنان المطوع

كثيراً ما ينساق الإنسان وراء شعورٍ خادع يجعله يظن أنه يحتل مساحة خاصة في قلب شخص ما، فيفسر الاهتمام العابر على أنه تعلق، ويحول الكلمات اللطيفة إلى وعود غير معلنة. ومع تكرار هذا الظن، يبدأ في بناء صورة مثالية لمكانته، صورة لا تستند بالضرورة إلى واقع حقيقي، بل إلى احتياج داخلي للشعور بالأهمية والاختلاف.
لكن الحياة، كعادتها، لا تترك الأوهام طويلًا دون اختبار. يأتي موقف بسيط، ربما كلمة لم تقال، أو تصرف جاء بعكس التوقع، ليكشف الحقيقة كاملة دون مقدمات. حينها يدرك الإنسان أنه لم يكن “شيئاً كبيراً” كما ظن، وأن ما عاشه كان أقرب إلى تصور شخصي منه إلى حقيقة متبادلة. وبين مرارة الاكتشاف وسخرية الوعي، يضحك المرء على نفسه، لا استهانة بمشاعره، بل دهشة من قدرته على تصديق وهم صنعه قلبه وحده.

هذا الوهم لا ينشأ من فراغ، بل يرتبط إلى حد كبير بشخصية المرء وتجربته في الحياة. فطريقة تعامل الإنسان مع الآخرين، وحجم ما يمنحه من مشاعر، غالباً ما تكون انعكاساً مباشراً لتربيته الصالحة وقيمه الإنسانية. فالشخص الذي نشأ على الصدق والوضوح، يتعامل بقلبه كما هو، ويفترض أن الآخرين يشبهونه في النوايا والالتزام، فيقيس تصرفاتهم بمعاييره هو، لا بواقعهم الحقيقي.

كثيرون يتصرفون بدافع الطيبة وحسن الظن، لا بدافع السذاجة كما يشاع. لكن المشكلة تظهر حين يقابل هذا الصفاء بعدم وضوح أو ببرود غير مبرر. عندها لا تكون الصدمة في فقدان العلاقة بقدر ما تكون في اكتشاف اختلاف الطباع والمرجعيات. فهناك من يتعامل مع القرب كمساحة عابرة، بينما يراه آخر التزاما معنويا ومسؤولية إنسانية.

التجارب الحياتية تلعب دوراً محورياً في تشكيل هذا الوعي. فالبعض لا يتعلم حدود العطاء إلا بعد خيبة، ولا يدرك قيمة نفسه إلا حين يشعر أنه بالغ في منح من لا يقدر. ومع كل تجربة، تتغير طريقة الفهم، لا القلب. يتعلم الإنسان أن الطيبة لا تعني التنازل عن الكرامة، وأن حسن التربية لا يلزم صاحبه بقبول التقليل أو التجاهل.

وهنا يصبح الموقف الكاشف نقطة تحول، لا لحظة ضعف. يدرك المرء أن تصرفه النابع من أخلاقه وتربيته لا يقلل من قيمته، بل يكشف الفرق بين من يعطي بصدق ومن يكتفي بالأخذ. ومع هذا الإدراك، يبدأ في إعادة ضبط مشاعره، ليس ليصبح أقسى، بل ليكون أعدل مع نفسه.

قد نضحك على سذاجة ظننا، لكن تلك الضحكة ليست استهزاء بالنفس، بل علامة نضج ووعي. فالتجارب التي تكشف لنا حقيقتنا في قلوب الآخرين، وإن كانت موجعة، إلا أنها تعيدنا إلى ذواتنا أكثر فهماً وقوة. وربما يكون أعظم ما نتعلمه من هذه المواقف أن قيمتنا لا تقاس بمكانتنا عند الآخرين، بل بما نعرفه نحن عن أنفسنا، وبما نحمله من أخلاق لا تتغير حتى وإن تغير من حولنا

  • Related Posts

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    كتبت : حنان المطوع هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى كثير من الزينة لتكون جميلة. فنجان قهوة سادة، جلسة هادئة، وصمت يملؤه صوت الذكريات… أحياناً تكون هذه اللحظات أغنى…

    Read more

    Continue reading
    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    كتبت : حنان المطوع لا يرحل الناس جميعاً بالطريقة نفسها.فمنهم من يغيب بجسده، لكنه يظل حاضراً في كل زاوية من الذاكرة. ومنهم من يبقى قريباً، لكنه يرحل من القلب قبل…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    وتتوالى التهاني من أسرة “زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالب أنس شكرى بمناسبة نجاحه في الشهادة الثانوية الأزهرية

    وتتوالى التهاني من أسرة “زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالب أنس شكرى بمناسبة نجاحه في الشهادة الثانوية الأزهرية

    حين يتحدث القلب… تصمت الملامح

    حين يتحدث القلب… تصمت الملامح

    شيخ الأزهر يجسد أسمى معاني التواضع.. انتظر نتيجة شقيقة الأولى على الثانوية العامة وطمأن والدتها بنفسه

    شيخ الأزهر يجسد أسمى معاني التواضع.. انتظر نتيجة شقيقة الأولى على الثانوية العامة وطمأن والدتها بنفسه

    أبو البركات البربري… الرجل الذي غير تاريخ جزر المالديف

    أبو البركات البربري… الرجل الذي غير تاريخ جزر المالديف