كتبت : حنان المطوع

عندما نقف أمام المرآة، لا نرى مجرد انعكاس لوجوهنا، بل نواجه أنفسنا في لحظةٍ صامتة قد تكون أصدق من ألف كلمة.
المرآة لا تجامل، ولا تكذب، ولا تختار ما تظهرن. إنها ببساطة تعكس الحقيقة كما هي، من الخارج على الأقل. لكن حين نحدق في أعيننا داخل هذا الانعكاس، نفتح نافذة إلى الداخل، إلى ما لا يمكن أن تظهره المرآة بوضوح، إلى أعماق لا يراها أحد سوانا.
هل جربت يوماً أن تنظر في عينيك عبر المرآة طويلاً، دون أن تشيح بنظرك؟ تبدأ في ملاحظة أشياء لم تكن تراها من قبل.
تتساءل: من أنا حقاً؟ ماذا اخفي خلف هذا البريق أو خلف هذا التعب؟ في تلك النظرة العميقة، قد ترى حزناً قديماً، أو ندماً، أو حتى شجاعةً لم تكن تدرك وجودها. وقد تسمع سؤالاً صامتاً يخرج من داخلك: هل أنت صادق مع نفسك؟ هل تحب ما ترى؟ هل تعرف من الذي ينظر إليك من الجهة الأخرى؟في تلك اللحظة، لا تكون المرآة مجرد زجاج، بل تتحول إلى مرآة للروح. كل منا يحمل شيئاً في داخله لا يقال، لا يشرح، لكنه يظهر في العيون.
ولهذا كانت العيون مرآة القلب. بعض النظرات تسأل، وبعضها يجيب، وبعضها لا يزال يبحث عن معنى. وحين تطيل التحديق، كأنك تحاول أن تتذكر شيئا نسيته منذ زمن، شيئاً بسيطاً لكنه حقيقي: أنت موجود، أنت إنسان، ولديك قصة لم تنته بعد.
ربما لا نحدق في أعيننا كثيراً لأننا نخاف مما سنراه، أو لأننا تعودنا أن نهرب من الأسئلة الصعبة.
لكن في بعض الأحيان، كل ما نحتاجه هو أن نقف مع أنفسنا لحظة صدق، لا لنحكم، بل لنتصالح. المرآة لا تغير شيئا، لكنها تذكرنا بما حاولنا نسيانه: أن أجمل اعتراف هو أن ترى نفسك بصدق، وتقبلها كما هي، بعثراتها، بجمالها، بنقصها وكمالها.ليست المرآة سوى وسيلة.
أما الحقيقة، فتسكن داخلنا، تنتظر لحظة شجاعة لننظر إليها بعيون صادقة.
فلتكن تلك اللحظة اليوم، لا لنحكم على أنفسنا، بل لنتعلم كيف نحبها كما هي.






