حائرون بين الجدران المفتوحة .

حائرون بين الجدران المفتوحة.

بقلم : حنان المطوع .

الشباب في هذا العصر يعيشون حالة من التوتر بين الرغبة العميقة في الحرية والشعور المستمر بالقيود. لا يتعلق الأمر فقط بقيود خارجية مفروضة من المجتمع أو الأسرة، بل ايضاً بقيود داخلية تنبع من التوقعات والضغوط النفسية التي تراكمت عبر السنوات. يعيش الشاب اليوم في عالم مفتوح على مصراعيه، يرى أنماط حياة مختلفة، افكاراً جديدة، وتجارب متنوعة، لكنه في كثير من الأحيان يطلب منه أن يظل ضمن إطار محدد، لا يتجاوزه.تأتي القيود احياناً في صورة تعليمات صارمة: ماذا يجب أن تدرس؟ من يحق لك مصاحبته؟ ما الذي يمكن أن ترتديه؟ واحياناً تأتي في صورة أحكام مسبقة: أنت صغير، لا تفهم، يجب أن تطيع، هذا ليس من شأنك. يشعر كثير من الشباب أنهم لا يمنحون المساحة ليقرروا بأنفسهم، أو أن يخطئوا ويتعلموا من أخطائهم، وكأن حياتهم تدار من الخارج.لكن في المقابل، حين تطرح فكرة الحرية المطلقة، يتضح أن الأمور ليست بسيطة. الحرية بدون مسؤولية قد تتحول بسهولة إلى فوضى. فليست كل رغبة تستحق أن تنفذ، وليست كل فكرة بالضرورة صحيحة لمجرد أنها مختلفة. الحياة تحتاج إلى توازن. نحتاج إلى الحرية لننمو ونتطور، لكننا نحتاج ايضاً إلى بعض الحدود التي تمنعنا من التعدي على الآخرين أو على أنفسنا.القيود ليست كلها سيئة، كما أن الحرية ليست دايماً خيرة بطبعها. بعض القيود تحمينا، وبعضها الآخر يخنقنا. التحدي الحقيقي هو التمييز بين الاثنين، وتحديد متى يجب أن نقاوم القيد، ومتى يجب أن نفهم ضرورته. الشباب لا يريدون الفوضى، بل يريدون أن يحترم حقهم في الاختيار، في التفكير، في الخطأ، وفي أن تكون لهم تجربتهم الخاصة بالحياة، لا نسخة مكررة من تجارب من سبقوهم. لا يمكن الحديث عن الحرية أو القيود بمعزل عن الإنسان نفسه، عن وعيه، ونضجه، وقدرته على تحمل نتائج اختياراته. فالحياة ليست سجناً يجب كسره، ولا فوضى يجب الانجراف معها، بل طريق يحتاج إلى شجاعة العبور، وحكمة التوقف، ووعي التمييز. حرية الشباب ليست تهديداً، بل فرصة لبناء مجتمع أقوى، أكثر تفهماً، وأكثر إنسانية. وحين يجد الشاب من يفهمه، لا من يقيده، سيصنع من حريته شيئاً يستحق الاحترام.

  • Related Posts

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    كتبت : حنان المطوع من الغريب أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن عدوٍ خارجي يعلق عليه أخطاء العالم بينما أكثر المعارك ضجيجاً تدور بصمت داخله نحن نخاف من الأشخاص…

    Read more

    Continue reading
    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    كتبت : حنان المطوع في كل عرس تقريباً هناك لحظة لا تحتاج إلى موسيقى ولا إلى كلمات. فجأة تنطلق (زغرودة، هلهولة، زغروطة، يويو )من بين النساء، فتتبعها أخرى، وكأن الفرح…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيوت من طين… بناها طائر

    بيوت من طين… بناها طائر

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه