كتبت : حنان المطوع

ليست كل الحِكم القديمة كلمات عابرة؛ فبعضها يحمل وراءه عمراً كاملًا من التجارب الإنسانية. ومن العبارات التي توقفت عندها يوماً قولهم: «الزوجة لباس زوجها».
تأملت العبارة طويلًا؛ لأن اللباس ليس مجرد قطعة قماش نرتديها، بل هو ستر ودفء وصورة ترافق الإنسان أمام العالم. ومن هنا بدا لي التشبيه أعمق من ظاهره؛ فالمرأة التي تشارك الرجل حياته لا تقف إلى جواره فقط، بل تترك شيئاً من روحها في أيامه، كما يترك هو شيئاً من روحه فيها.
فالزوجة ليست ظلًا للرجل، ولا زينة تضاف إلى صورته، وإنما شريكة تصنع معه ملامح البيت. رقيها في حديثها، واحترامها لنفسها وللآخرين، وهدوء حضورها، كلها أشياء تمتد إلى حياتهما معاً. وكذلك الرجل، بحنانه واحترامه واحتوائه، يستطيع أن يجعل المرأة أكثر طمأنينة وإشراقاً، أو أن يترك في روحها ما يثقلها.
فالبيوت لا تكشف حقيقتها بأثاثها، ولا بما يراه الناس من الخارج، بل بالطريقة التي يعامل بها أهلها بعضهم بعضاً حين تغلق الأبواب. هناك بيوت تبدو كاملة أمام الناس، لكنها تفتقد أبسط معاني الرحمة، وبيوت متواضعة تكفي فيها كلمة طيبة لتجعل جدرانها أوسع من القصور.
وربما لهذا كان معنى «اللباس» جميلًا؛ لأننا في العلاقات الحقيقية نرتدي شيئاً من الذين نعيش معهم. تأخذ أرواحنا من كلماتهم، وتهدأ بقربهم أو تتعب، ونصبح مع مرور السنوات خليطاً خفياً من أنفسنا ومن الذين أحببناهم. فالزوجة قد تصبح ذاكرة زوجها وهدوء أيامه، والرجل قد يصبح للمرأة أماناً وسنداً وبيتاً لا تصنعه الجدران. فلا أحد منهما مجرد إضافة إلى حياة الآخر، وإنما كلاهما قادر على أن يكون ستراً حين تنكشف نقاط الضعف، ودفئاً حين تبرد الأيام، ويداً تمتد حين تثقل الحياة.
ولهذا ربما يكون المعنى الأجمل أوسع من العبارة التي بدأنا بها:
ليست الزوجة وحدها لباس زوجها… بل الزوجان لباس بعضهما بعضاً.
يستر كل منهما ضعف الآخر، ويحفظ كرامته، ويمنحه من الطمأنينة ما يجعله أكثر قدرة على مواجهة الحياة.
فبعض الناس نرتدي حضورهم في أرواحنا…
ولا نخلعهم مهما تغيرت الفصول.






