كتبت : حنان المطوع

بعد أن رحلنا مع ابن سينا في أسرار الذاكرة، من لحظة الانتباه الأولى إلى أثر التكرار والفهم والراحة والغذاء والمشاعر، نصل اليوم إلى المحطة الأخيرة في رحلتنا، وإلى سؤال لا يزال الإنسان يطرحه حتى عصرنا الحديث: هل الذاكرة قدرة ثابتة يولد بها الإنسان، أم أنها قدرة يمكن تنميتها والمحافظة عليها بالتعلم والتدريب؟
اهتم ابن سينا بقوى النفس والعقل، ونظر إلى المعرفة باعتبارها عملية لا تقوم على الحفظ وحده، بل ترتبط بالإدراك والفهم والتأمل واستحضار ما تعلمه الإنسان. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت رؤيته للعقل أوسع من مجرد تخزين المعلومات، فالإنسان لا يتذكر لأنه حفظ فقط، وإنما لأن ما تعلمه أصبح مرتبطًا بمعنى وفهم وتجربة.
فالمعلومة التي نفهمها ونربطها بما نعرفه من قبل، ثم نعود إليها ونستخدمها، تكون أقدر على البقاء من معلومة مرت على العقل مرورًا سريعًا. وهذا ما يجعل القراءة والتفكير والمناقشة وحل المشكلات والتعلم المستمر وسائل مهمة لإبقاء العقل نشطًا.
وكان ابن سينا ينظر إلى الإنسان نظرة شاملة، فلا يفصل قواه العقلية عن حالته الجسدية والنفسية. فالاعتدال والراحة وصفاء الذهن من الأمور التي رأى لها أثرًا في قدرة الإنسان على الإدراك والتعلم، وهي رؤية تبدو لافتة حين نقارنها بما نعرفه اليوم عن العلاقة الوثيقة بين النوم والحالة النفسية والصحة الجسدية ووظائف الدماغ.
وهنا يلتقي الماضي بالحاضر بصورة مثيرة للاهتمام.
فالعلم الحديث يخبرنا أن الدماغ يمتلك قدرًا من المرونة يسمح له بالتغير مع التعلم والخبرة، وأن الذاكرة ليست صندوقًا نضع فيه المعلومات ثم نستخرجها متى شئنا، بل عملية معقدة تشترك فيها دوائر عصبية متعددة وتتأثر بالانتباه والتكرار والمعنى والعاطفة والنوم والتعلم المستمر.
ولم يكن ابن سينا يملك أجهزة تصوير الدماغ أو المختبرات الحديثة التي تكشف ما يحدث داخل الخلايا العصبية، ولذلك لا يصح أن ننسب إليه اكتشافات علم الأعصاب بمفهومها الحديث. لكن المدهش أنه، من خلال الملاحظة والتأمل ودراسة الإنسان، طرح أسئلة عن الإدراك والتذكر والتعلم ظلت حاضرة بعده بقرون طويلة.
كيف يدرك الإنسان؟
كيف تثبت المعرفة في العقل؟
لماذا نتذكر بعض الأشياء وننسى غيرها؟
وما أثر حالة الإنسان الجسدية والنفسية في قدرته على التفكير والتذكر؟
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تقود إلى عالم بالغ التعقيد، وما زال العلماء حتى اليوم يكتشفون المزيد من أسراره.
وربما هنا تكمن قيمة ابن سينا الحقيقية؛ لم يكن سبقُه لعصره في أنه امتلك إجابات العلم الحديث قبل ألف عام، بل في أنه أدرك مبكرًا أن فهم الذاكرة لا ينفصل عن فهم الإنسان نفسه.
وهكذا نصل إلى نهاية رحلتنا معه، لنكتشف أن الذاكرة ليست مجرد مكان نحتفظ فيه بالماضي، وإنما قدرة تتشكل بما نقرأ ونفهم ونتعلم ونعيش.
وبين أسئلة ابن سينا ومختبرات علم الأعصاب الحديثة يمتد نحو ألف عام من البحث، بينما بقي السؤال واحدًا:
كيف يستطيع هذا العقل الصغير أن يحمل داخله عمرًا كاملًا من الذكريات؟






