كتبت : حنان المطوع

في السنوات الأخيرة تغير المشهد العام في مصر بصورة لافتة، ليس فقط في الطرق والكباري والمشروعات العملاقة، بل في الفلسفة التي تنظر بها الدولة إلى الإنسان نفسه، وخصوصاً الإنسان الذي طالما وضع على الهامش. ذوو الاحتياجات الخاصة، الذين عاش كثير منهم سنوات طويلة بين الشفقة أو الإقصاء أو التجاهل، أصبحوا اليوم جزءاً أصيلاً من الصورة العامة للوطن، يخاطبون بحقهم لا بتفضل، وبكرامتهم لا بعطف مؤقت.
ومن بين أكثر الصور إنسانية وصدقاً، جاءت فكرة إنشاء شواطئ مجهزة لذوي الهمم، لما تحمله من دلالة عميقة على أن الحق في الفرح والترفيه لا يقل أهمية عن أي حق آخر. البحر، الذي كان حلماً بعيد المنال لكثير من المكفوفين وذوي الإعاقات المختلفة، أصبح مساحة مفتوحة وآمنة، يمكنهم أن يقتربوا منه بثقة ويشعروا بنسيمه دون خوف أو عوائق. تجهيزات خاصة، مسارات مهيأة، فرق إنقاذ مدربة، وخدمات مصممة بعناية، كلها عناصر لم تأت صدفة، بل نتيجة رؤية واعية تؤمن بأن الدمج الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالفعل.
وفي مدينة الإسكندرية، بمنطقة المندرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، افتتح شاطئ “ذوي الهمم” وخصص قسم خاص للمكفوفين وضعاف البصر في 2 يوليو 2022، وذلك تحت إشراف اللواء محمد الشريف، محافظ الإسكندرية، ليكون الأول من نوعه في مصر الذي يوفر ممشى داخل المياه ومسارات وإشارات تساعد المكفوفين على الاستمتاع بالبحر بأمان واستقلالية.
حق لهذا الشاطئ أن يكون رمزاً للتغيير؛ ففيه تحقق دمج حقيقي عندما يستطيع المكفوف الشعور بحركة الأمواج ومسار المياه من خلال ممشى مخصص يلامس بكل ثقة، تحت رقابة فرق الإنقاذ، وهو أمر لم يكن ممكناً من قبل. الشاطئ، الذي يستضيف آلاف الزوار من أصحاب الهمم سنوياً، لم يعد مجرد مكان للاسترخاء، بل صار مساحة للكرامة والمساواة والاندماج الاجتماعي، يستقبل جمعيات ومجموعات من مختلف المحافظات ويحقق لهم لحظات فرح حقيقية بعيداً عن الحواجز المادية والمعنوية.
وفي امتداد لهذه الرؤية الإنسانية الهادفة إلى تقديم خدمات شاملة في مختلف أنحاء الجمهورية، شهدت مدينة دمياط الجديدة ايضاً افتتاح أول شاطئ متكامل لخدمة ذوي الهمم في عام 2023، وهو ما عرف باسم “شاطئ قادرون بلاج”. هذا المشروع الذي أطلق بتوجيهات الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، وبإشراف المهندس محمد خلف الله، رئيس جهاز مدينة دمياط الجديدة، لم يكتف بتوفير فرصة الوصول للبحر فحسب، بل حوله إلى نادي شاطئي متكامل يقدم خدمات واسعة تشمل مناطق لعب، مرافق طبية، خدمات ترفيهية ومرافق مجانية بالكامل لذوي الهمم وأسرهم.
هذا الشاطئ في دمياط يعد إنجازاتً جديداً في مجال دمج ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث لم يعد الوجود على الشاطئ نشاطاً موسمياً أو مؤقتاً، بل هو مساحة دائمة للراحة، المشاركة الاجتماعية، والاحتفاء بالحياة، ويعكس حرص الدولة على أن يعيش ذوو الهمم لحظات حقيقة من الفرح، بعيداً عن أية معوقات، مع تقديم كافة الخدمات الطبية والترفيهية والمساعدات الفنية التي يحتاجونها.
هذه المشروعات لم تكن مجرد تحسينات شكلية أو مبادرات موسمية، بل رسالة واضحة بأن الدولة قررت أن تنحاز للإنسان، أياً كانت قدراته الجسدية أو الحسية. فأن يخصص شاطئ للمكفوفين، وأن تراعى أدق التفاصيل التي تمكنهم من الاستمتاع بالبحر بشكل مستقل وآمن، وأن يتحول شاطئ في دمياط إلى نادي متكامل يقدم خدمات متكاملة لذوي الهمم، كلها تعكس فهماً عميقاً لمعنى العدالة الاجتماعية، ومعنى أن يشعر كل مواطن بأنه مرئي ومسموع ومحترم.
ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى الدور المحوري لرئيس الدولة، الذي وضع ملف ذوي الهمم في مقدمة أولويات العمل الوطني. الاهتمام لم يعد حبراً على ورق أو كلمات في مناسبات رسمية، بل ترجم إلى مشروعات حقيقية، وقوانين داعمة، وبنية تحتية تراعي الفروق الإنسانية قبل أي اعتبار آخر. هذا الاهتمام أعاد الاعتبار لفئة كانت تعامل في السابق وكأنها منسية، بينما هي في الحقيقة طاقة قادرة على العطاء إذا ما فتحت لها الأبواب.
إن ما يحدث اليوم هو تصحيح لمسار طويل من التهميش، وبناء لجسور ثقة بين الدولة وأبنائها من ذوي الاحتياجات الخاصة. هو اعتراف صادق بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه. وحين يرى المكفوف البحر لأول مرة بطريقته الخاصة، أو يشعر ذو الإعاقة بالأمان وهو يشارك الآخرين مساحة الفرح ذاتها، ندرك أن التنمية الحقيقية ليست في الأسمنت والحديد فقط، بل في القلب الذي يتسع للجميع.






