ابن سينا… حين سبق علم الذاكرة بألف عام .. الحلقة الثامنة والأخيرة: تدريب العقل… حين يلتقي ابن سينا بعلم الذاكرة الحديث

كتبت : حنان المطوع

بعد أن رحلنا مع ابن سينا في أسرار الذاكرة، من لحظة الانتباه الأولى إلى أثر التكرار والفهم والراحة والغذاء والمشاعر، نصل اليوم إلى المحطة الأخيرة في رحلتنا، وإلى سؤال لا يزال الإنسان يطرحه حتى عصرنا الحديث: هل الذاكرة قدرة ثابتة يولد بها الإنسان، أم أنها قدرة يمكن تنميتها والمحافظة عليها بالتعلم والتدريب؟

اهتم ابن سينا بقوى النفس والعقل، ونظر إلى المعرفة باعتبارها عملية لا تقوم على الحفظ وحده، بل ترتبط بالإدراك والفهم والتأمل واستحضار ما تعلمه الإنسان. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت رؤيته للعقل أوسع من مجرد تخزين المعلومات، فالإنسان لا يتذكر لأنه حفظ فقط، وإنما لأن ما تعلمه أصبح مرتبطًا بمعنى وفهم وتجربة.

فالمعلومة التي نفهمها ونربطها بما نعرفه من قبل، ثم نعود إليها ونستخدمها، تكون أقدر على البقاء من معلومة مرت على العقل مرورًا سريعًا. وهذا ما يجعل القراءة والتفكير والمناقشة وحل المشكلات والتعلم المستمر وسائل مهمة لإبقاء العقل نشطًا.

وكان ابن سينا ينظر إلى الإنسان نظرة شاملة، فلا يفصل قواه العقلية عن حالته الجسدية والنفسية. فالاعتدال والراحة وصفاء الذهن من الأمور التي رأى لها أثرًا في قدرة الإنسان على الإدراك والتعلم، وهي رؤية تبدو لافتة حين نقارنها بما نعرفه اليوم عن العلاقة الوثيقة بين النوم والحالة النفسية والصحة الجسدية ووظائف الدماغ.

وهنا يلتقي الماضي بالحاضر بصورة مثيرة للاهتمام.

فالعلم الحديث يخبرنا أن الدماغ يمتلك قدرًا من المرونة يسمح له بالتغير مع التعلم والخبرة، وأن الذاكرة ليست صندوقًا نضع فيه المعلومات ثم نستخرجها متى شئنا، بل عملية معقدة تشترك فيها دوائر عصبية متعددة وتتأثر بالانتباه والتكرار والمعنى والعاطفة والنوم والتعلم المستمر.

ولم يكن ابن سينا يملك أجهزة تصوير الدماغ أو المختبرات الحديثة التي تكشف ما يحدث داخل الخلايا العصبية، ولذلك لا يصح أن ننسب إليه اكتشافات علم الأعصاب بمفهومها الحديث. لكن المدهش أنه، من خلال الملاحظة والتأمل ودراسة الإنسان، طرح أسئلة عن الإدراك والتذكر والتعلم ظلت حاضرة بعده بقرون طويلة.

كيف يدرك الإنسان؟

كيف تثبت المعرفة في العقل؟

لماذا نتذكر بعض الأشياء وننسى غيرها؟

وما أثر حالة الإنسان الجسدية والنفسية في قدرته على التفكير والتذكر؟

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تقود إلى عالم بالغ التعقيد، وما زال العلماء حتى اليوم يكتشفون المزيد من أسراره.

وربما هنا تكمن قيمة ابن سينا الحقيقية؛ لم يكن سبقُه لعصره في أنه امتلك إجابات العلم الحديث قبل ألف عام، بل في أنه أدرك مبكرًا أن فهم الذاكرة لا ينفصل عن فهم الإنسان نفسه.

وهكذا نصل إلى نهاية رحلتنا معه، لنكتشف أن الذاكرة ليست مجرد مكان نحتفظ فيه بالماضي، وإنما قدرة تتشكل بما نقرأ ونفهم ونتعلم ونعيش.

وبين أسئلة ابن سينا ومختبرات علم الأعصاب الحديثة يمتد نحو ألف عام من البحث، بينما بقي السؤال واحدًا:

كيف يستطيع هذا العقل الصغير أن يحمل داخله عمرًا كاملًا من الذكريات؟

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد